
«أنا كنت بحاول ألاقي طريقة ومناسبة أفتح معاكي الموضوع فيها!»
«لا! إنت كنت بتلاقي حجج ومناسبات عشان متفتحش الموضوع اصلاً!»
«دا كلام مش عادل..»
«بطل تقول كلمة مش عادل دي!»
«أنا كنت عارف إن رد فعلك هيكون كده!»
ضحكت بوجع وذهول:
«مبروك! نجحت فعلاً في إنك تتفادى رد فعلي.. لحد ما بقى فيه حمل رسمي!»
اتخشب في مكانه.
شفتها في عينيه.. الحمل. مش بس حمل مريم.. ده رد فعله هو على الكلمة نفسها.
قربت منه ببطء شديد:
«إنت اتبرعت بالعيّنة خلاص؟»
«فريدة—»
«مش بتاعة التحاليل والفحوصات.. العينة بتاعة الحقن والتلقيح نفسه؟»
بص لي.
أنا عرفت الإجابة من غير ما ينطق.
صوتي بقى هادي بشكل يرعب:
«إنت إديت لمريم العينة اللي المركز استخدمها عشان يحقنوها ويخلوها تحمل؟»
«اه.»
حسيت المطبخ كله بيلف بيا وبيقع.
مسكت في رخامة المطبخ عشان أصلب طولي.
«إمتى؟»
«من تلات أسابيع..»
«ويوم الإثنين قالت لك إنها طلعت حامل؟»
«اه.»
كنت سامعة صوت ضحك ياسين من أخر الطرقة وهو بيتفرج على حاجة في التابلت بتاعه.
ابني..
بيبي مريم..
من العيلة…
بصيت لجوزي وقلت له:
«إنت مكنتش مجرد بتوصل خطيبتك القديمة لمركز الحقن المجهري وتدعمها..»
أحمد مكنش قادر ينطق ولا كلمة.
«إنت اتسجلت هناك رسمياً بصفتك المتبرع بالحيوانات المنوية الأب للبيبي دا.»
غمض عينيه بقهر.
وفجأة.. السؤال مابقاش هل جوزي ساعد ست تانية عشان تخلف وتجيب نونو..
السؤال بقى.. هل هو اصلاً بقى عنده طفل تاني منها دلوقتي ولا لا.الجزء الثالث
وقفنا أنا وهو والسكوت كان أتقل من أي كلام ممكن يتقال.
أنا مش قادرة أستوعب إن الراجل اللي شاركني تمان سنين من عمري، الراجل اللي بنيت معاه بيت وربيت معاه ابننا، واقف قدامي دلوقتي وبيقول لي ببساطة إنه بقى أب لطفل تاني من ست تانية… خطيبته القديمة.
مسكت نفسي بالعافية، وصوتي خرج مبشوج ومكسور:
«يعني البيبي دا… ابنك؟»
أحمد أخد نفس طويل ووشه كله انكمش من الألم:
«بيولوجياً… اه يا فريدة. بس قانونياً ورسمياً أنا مجرد متبرع، ماليش أي حقوق ولا عليا أي واجبات والأبوة القانونية لمريم لوحدها.»
«أبوة قانونية؟!»
صرخت بالراحة وأنا بوطي صوتي بالعافية عشان ياسين:
«إنت بتكلمني في أوراق وقوانين يا أحمد؟! إنت متخيل إنت عملت إيه؟! إنت أديت جيناتك، أديت شق منك لست تانية عشان تعمل بيه عيلة! إنت بقى عندك ابن أو بنت في الدنيا دي غير ياسين!»
«مريم كانت حلمها تبقى أم!»
رد وهو بيحاول يدافع عن نفسه بصوت مهزوز:
«مريم عندها مشاكل صحية، والدكاترة قالوا لها إن دي آخر فرصة ليها قبل ما الرحم عندها ما يستجيبش خالص! هي مكنتش عاوزة تتجوز، وكانت محتاجة متبرع تكون واثقة في أخلاقه وتاريخه العائلي والصحي! جيت لي وبكت لي يا فريدة! طلبت مني إنقاذ حلمها!»
«وهي لما بكت لك… إنت نسيت إنك متجوز؟!»
دموعي نزلت أخيراً، سخنة وبتكتفني:
«نسيت إن عندك ست ثانية مشاركاك حياتك وعيلتك؟ نسيت إنك بتاخد قرار هيغير شكل عيلتنا للأبد من غير ما ترجع لي؟ إنت خنتني يا أحمد! الخيانة مش بس سرير ونوم… الخيانة إنك تديه من روحك وجيناتك لغيري وفي السر!»
«والله العظيم ما قصدت أأذيكي ولا أخونك!»
قرب مني ومسك إيدي، بس أنا سحبت إيدي منه كأنه نار:
«متقربليش!»
«فريدة اسمعيني… أنا اتفقت مع مريم إن دوري ينتهي عند التبرع! أنا مش هكون أب في حياة الطفل دا، مش هصرف عليه، مش هسجل اسمه باسمي، هو مش حته من عيلتنا!»
«أومال قلت لياسين إنه هيبقى من العيلة ليه؟!»
سكت ومعدش عارف يهرب من السؤال.
«قلت له كده عشان جواك عارف الحقيقة! عارف إن الدم مش مية! عارف إن الطفل دا لما يتولد، إنت هتفضل بصاص له وعارف إنه ابنك! ويا ترى بقى لما يكبر، هتقول له إيه؟ هتقول لياسين دا أخوك بس مش أخوك؟!»
وفجأة، سمعنا صوت خبطة صغيرة عند باب المطبخ.
لفينا إحنا الاثنين بلهفة.
ياسين كان واقف عند الباب، ماسك الديناصور بتاعه في إيد، وبيمسح عينيه بالإيد التانية.
«ماما… بابا… إنتو بتزعقوا ليه؟»
أحمد اتخشب مكان، وأنا مسحت دموعي بسرعة في ثواني، وحاولت أبتسم وأرسم على وشي أي ملامح هادية.
وطيت على ركبي ويمدت إيدي لياسين:
«تعال يا حبيبي… مفيش حاجة، بابا وماما بس بتتكلم في حاجات تخص الشغل.»
ياسين قرب مني وحضن رقبتي أوي:
«أنا خايف… إنتو هتتخاصموا؟»
بصيت لأحمد من فوق كتف ياسين. وشه كان مليان ندم وكسرة، بس الندم ده كان متأخر أوي.
«لا يا روحي… بابا وماما عمرهم ما يتخاصموا قدامك.»
رفعت ياسين وشيلته:
«يلا عشان ندخل ننام، إنت عندك مدرستك بدري بكره.»
أخدت ياسين ودخلت بيه أوضته، قعدت جنبه على السرير وفضلت أملس على شعره وأقرأ له قرآن لحد ما عينيه غمضت ونام تماماً.
خرجت من الأوضة وقفل الباب بالراحة خالص.
الممر كان ضلمة، والصلالة كانت هادية.
أحمد كان قاعد على الكنبة في الصالة، حاطط راسه بين إيديه والضلمة مغطية وشه.
أول ما سمع خطوتي، رفع راسه وبص لي بلهفة:
«فريدة…»
وقف وقرب مني:
«أنا عارف إني غلطت… عارف إن طريقة إدارتي للموضوع كانت زفت، وإني كان المفروض أقولك من أول لحظة مريم فتحت معايا الكلام فيها… بس أنا بحبك، وبحب عيلتنا، ومش عاوز أضيع اللي بيننا.»
بصيت له بكل هدوء… هدوء يرعب، الهدوء اللي بيجي بعد ما العاصفة تهدّ البناء كله.
«إنت بتقول جلسة المتابعة بكره الساعة 10:30 صباحاً؟»
أحمد استغرب السؤال:
«اه… في العيادة اللي في المهندسين.»
«تمام.»
«يعني إيه تمام؟ إنتي رايحة معايا؟»
«أنا رايحة لوحدي يا أحمد… أو رايحة معاك بس عشان أقابل مريم.»
«تقابلي مريم؟ ليه؟»
«عشان فيه كلام لازم يتقال بيني وبينها وبين المركز دا… وقبل أي خطوة رسمية تانية تتعمل، لازم أعرف كل التفاصيل اللي إنت كدبت عليا فيها… ولحد بكره الصبح، إنت هتنام في الأوضة التانية.»
أحمد حاول يتكلم:
«فريدة ارجوكي—»
«كلمة زيادة واحدة يا أحمد، وهلم هدومي وهأخد ياسين وهروح عند بابا في المعادي دلوقتي حالا.»
سكت. سكت تماماً وشاف في عينيا جدية مكنش شافها قبل كده في تمان سنين جواز.
لف ومشي ببطء ناحية أوضة الضيوف، وقفل الباب وراه بالراحة.
وقفت لوحدي في نص الصالة، الضلمة حواليا والسكوت بيصرخ في أذني.
مسكت الموبايل بتاعي، وفتحت النوتس، وبدأت أكتب كل الأسئلة اللي محتاجة إجابات عنها بكره في العيادة.
الساعة كانت بقت 2:30 بعد نص الليل.
ولأول مرة من تمان سنين… حسيت إني غريبة في بيتي، ومع الراجل اللي شاركني حياتي.




