
— “يا فضيحتي! يا ناس يا شر.. ابن عمري بيطردني عشان مراته قلبت عقله عليا!”
طلعت تليفوني وإيدي بترتعش، وطلبت نجدة الشرطة والأسعاف.
لما الإسعاف وظباط الشرطة وصلوا، فريدة كانت لسه بتتكتك من الخوف. المسعف طلب منها ترفع أكمامها عشان يفحص الجروح اللي في إيدها. بصتلي وهي مرعوبة.
— “وريهم كل حاجة يا فريدة”، قلت لها بصوت هادي بس مكسور. “خلاص.. مفيش حد هتخافي منه تاني.”
شالت الأكمام ببطء.. الظباط اللي كانوا بيكتبوا التقرير وقفوا إيديهم فجأة والصمت ساد المكان.
— “الحرق ده حصل إزاي ومتى؟”
— “الصبح.. قالتلي أشوف الصينية سخنت ولا لأ، ولما مسكت المعلقة، مسكت إيدي بقوة ولزقتها في الصاج السخن.. قالتلي عشان تتعلمي إزاي تسمعي الكلام وتردي بسرعة.”
ظابط الشرطة بص لأمي بنظرة كلها قرف وذهول:
— “يا حاجّة.. أنتي هتتفضلي معانا على القسم.”
وفجأة.. باب اتفتح بشويش.
— “بابا…”، قالت وهي بتشاور بإيدها الصغير على الممر، “قول للعمو الظابط يفتح الدرج المقفول اللي في تيتة.”
أمي رفعت رأسها فجأة ولونها خطف.
— “درج إيه يا بت أنتي?!”
جنى حضنت رجلي واستخبت ورايا:
— “الدرج اللي دايماً قفلاه بالمفتاح.. هي شايلة فيه فيديوهات وحشة لماما، وبتقول لماما لو طارق شاف الفيديوهات دي.. هيرميكي أنتي وبنتك في الشارع وما حدش هيسلم عليكوا.”— “تعالى معايا.. وريني الدرج ده فين يا شاطرة.”
أمي زي تحاول تقفل الطريق، وعصايتها في إيدها وصوتها طالع بصرخة مكتومة:
— “محدش يدخل أوضتي! دي أسرار بيت.. أنت جاي تفتش بيتي عشان كلام بت صغيرة؟ دي بت كدابة وأمها ملقناها الكلمتين!”
الظابط مسكها من دراعها بهدوء بس بقوة ووقفها مكانها:
— “اثبتي عندك يا حاجّة وما تصعبيش الموقف على نفسك.. افتح الدرج يا عسكري.”
العسكري دخل الأوضة، وما هي إلا ثواني وسمعنا صوت خشب بيتكسر. أمي انهارت على الكنبة وهي بتلطم على وشها وبتبصلي بعيون مليانة كره وغل عمرِي ما شفته فيها.
خرج العسكري وهو ماسك فلاشة سودا صغيرة وشريط كاسيت قديم، ومعاهم أصل قبالات أمانة ومستندات. الظابط أخد الفلاشة وطلب من المسعف يركبها على شاشة التلفزيون الصغير اللي كان شغال في الصالون أو يشغلها على اللاب توب بتاع الشركة اللي كان على الترابيزة.
الفيديو كان متسجل بملف كاميرا مراقبة مخفية في المطبخ والصالة. شفت أمي وهي بتزق فريدة وبتضربها بالقلم، وشفتها وهي بتجيب مقص وتقص شعر فريدة بالعافية، وفريدة بتبكي ومستسلمة تماماً.. وفي مقطع تاني، أمي كانت بتصوّر فريدة بوضع متهين وهي بتستغيث، وبتقولها بصوت واطي ومخيف:
— “لو فكرتي تفتحي بقك لطارق بكلمة واحدة.. الظابط بص لأمي وقاله بصوت زي الجليد:
لما الكلبشات اتقفلت في إيد أمي، بدأت :
— “ربنا يجعلك تشوفها في صحتك يا طارق! تبيع أمك عشان حتة بت؟ أنا اللي ربيتك! أنا اللي عملتك!”
بصيت في عينها بثبات، ولأول مرة في حياتي ما حستش بأي ذنب.. حست بقرف شديد:
— “أنتي ما ربيتنيش يا كوثر.. أنتي كنتي بتملكيني. والبر بالوالدين مش معناه إني أكون ديوث وأسيبك تفتري على أهلي وبيتي. أنت مش أم.. أنتي سجانة.”
المسعفين أخدوني أنا وفريدة للمستشفى. أتعالجت من حروق الدرجة التانية في كتفي ورقبتي، وفريدة خضعت لعلاج مكثف لحروق إيدها والجروح والندبات، ودخلت في برنامج تأهيل نفسي هي وجنى.
مرت الأيام والشهور..
فريدة بدأت تتعافى، وبدأت تبتسم من تاني، وشعرها طال ورجعت لوزنها الطبيعي. وجنى رجعت تجري وتضحك وتلعب بعرايسها من غير ما تخاف من صوت أي خطوة في الطرقة.
— “شكراً يا طارق.. شكراً إنك جيت في الوقت المناسب وأنقذتنا.”
بوست إيدها المطبوع عليها أثر حرق صغير باقي كذكرى، وقلتلها:
— “أنا آسف إني تأخرت يا فريدة.. بس أوعدك، من النهاردة مفيش مخلوق على وش الأرض هينغص عليكوا حياتكم.. بيتنا ده بقى أمانكم، وأنا حصنكم.”




