قصص وروايات

بنت الملجا

أمي بصت في عيني وقالت بصوت رج أركان البيت:

“اخرس.. اقطع لسانك إنت وهي! إنت فاكر نفسك راجل باللي عملته ده؟! إنت عيل خسيس وغدار وواطي! فاكر بنات الناس لعبة في إيدك عشان يتيمة وملهاش حد؟ تجيبها تخدم أمك بلقمتها وتضحك عليها بمشاعر وجواز كداب عشان تفضي نفسك لنزواتك ولهانم الغبرة دي؟!”

وبصت لزهرة بقرف وصرخت فيها:

“اطلعي برا بيتي يا خطافة الرجالة، البيت ده طاهر وميدخلوش أشكالكم.. لا أنتي تلزميني ولا هو يلزمني! واللي يبيع بنت غلبانة يتيمة ملهاش ضهر، يبيع أمه بكرة الصبح عشان يرضيكي!”

وفجأة.. الباب بتاع الأوضة اتفتح، وخرجت مريم، وماسكة في إيدها نفس الشنطة القماش القديمة اللي دخلت بيها البيت أول يوم، قالعة الدهب البسيط اللي كنت جايبهولها وسايباه على ترابيزة الصالة.. كانت حاطة طرحتها وعينيها حمرا من العياط ورايحة ناحية باب الشقة عشان تمشي في سكات تام.

أمي أول ما شافتها، جريت عليها ومسكت إيدها وحضنتها بكل قوتها وهي بتعيط وتقولها:

“وحياة أمي ما أنتي خارجة يا بنتي.. أنتي بنتي اللي مخلفتهاش، والبيت ده بيتك، والواطي ده وعروسته هما اللي يغوروا في ستين داهية وما يعتبوش الباب ده تاني!”

مريم حاولت تشد إيدها براحة من إيد أمي، وصوتها كان طالع مخنوق ومتقطع من كتر القهرة:

“سيبيني يا أمي الله يخليكي.. أنا مليش مكان هنا خلاص. أنا دخلت البيت ده بكرامتي وفاكرة إن ربنا عوضني عن حرماني وعن عيشتي في الدار، فاكرة إني بقيت بني آدمة وليا ضهر وبيت يحميني.. مكنتش أعرف إني مجرد صفقة وخدّامة متسجلة على ورق.”

“أنا مكنتش محتاجة منك فلوس، ولا شبكة ألماظ، في السما.. أنا كنت محتاجة بس أحس إني إنسانة، لو كنت جيت قولتلي الحقيقة من الأول وقولتلي محتاجك تخدمي أمي وتونسيها كنت هوافق لله ولثوابها، لكن تخدعني وتبيع وتشتري فيا كده؟ حسبي الله ونعم الوكيل فيك.. حسبي الله ونعم الوكيل، ربنا مش هيسيبك.”

قصص وروايات أمانى سيد و

قصص وروايات أمانى سيد ٢

زهرة اتعصبت ولفت وشها، ونفخت بضيق وهي بتشد دراعي:

“إيه الدراما دي كلها؟! يلا بينا يا حبيبي، إحنا غلطانين أصلًا إننا جينا نبرهم ونعملهم حساب.. خليهم يشبعوا ببعض، بيتك وعيشتك الجديدة مستنيينك وسيبك من وجع الدماغ ده.”

أنا لساني كان مربوط، مكنتش قادر أنطق ولا أدافع عن نفسي.. كان عكس كل اللي رتبته في خيالي، كنت فاكر إني هفرض الأمر الواقع والكل هيرضخ، لقيت نفسي فجأة بطلع من بيت أمي مطرود، وصوت دعاء أمي وغضبها بيرن في ودني ويهز حيطان العمارة.

نزلت وأنا ماسك إيد زهرة، بس الخطوة كانت تقيلة، والنشوة والانتصار اللي كنت حاسس بيهم اتبخروا في ثواني وحل مكانهم إحساس غريب بالخنقة والضيق.

روحت مع زهرة شقتنا الجديدة.. أول كام يوم عدوا في دوامة الجواز والزيارات والخروجات، كنت بحاول، أضحك وأهزر وأقنع نفسي إني عملت الصح وإن ده حقي أعيش مع اللي بحبها.. بس الحقيقة المرة بدأت تظهر بدري أوي.

وفي يوم، رجعت من الشغل مهدود وتعبان بعد يوم طويل، ملقتش أكل، ، وافتكرت فجأة مريم.

افتكرت لما كنت أرجع مهدود ألاقي الأكل سخن وريحته تفتح النفس مستنيني، هدومي مغسولة ومكوية في الدولاب بنظام، كوباية الشاي بتتحط قدامي بابتسامة هادية ومن غير ما أنطق بطلب.. افتكرت رضاها وقناعتها اللي كنت شايفها ضعف واستباحتها بغبائي.

قومت من مكاني، ومن غير ما أرد على زهرة، مسكت تليفوني ورنيت على أمي.. بس الخط كان مقفول. رنيت على تليفون البيت، فضلت أسمع الرنة لحد ما قطعت، ومحدش رد.

القلق أكل قلبي، نزلت جري وركبت العربية وطرت على بيت أمي..

طلعت السلم خطوتين خطوتين، وطلعت المفتاح وحطيته في الباب.. بس المفتاح مكنش بيلف، أمي غيرت الكالون.

فضلت أخبط بإيدي الاتنين بهستيريا وأنا بنادي: “يا أمي.. يا أمي افتحي، أنا ابنك وحبيبك.. افتحي عشان خاطري!”

وبعد دقايق، الباب اتفتح بالراحة.. ووقفت قدامي المفاجأة اللي رجعتني لنقطة الصفر أدرك حجم الكارثة اللي عملتها في حق نفسي.

الباب اتفتح ببطء، ومكنتش أمي اللي واقفة وراه..

كان راجل كبير في السن، وشه بشوش ومريح، لابس جلباب شيك وباين عليه الهيبة والوقار، وكان واقف جنبه واحد من جيراننا القدامى في العمارة. الراجل بصلي من فوق لتحت بنظرة استغراب وهدوء وسألني:

“خير يا بني؟ بتخبط كده ليه وبتنادي على مين؟”

“أنت مين وبتعمل إيه في أمي؟! أمي فين ومريم فين؟!”

الجار رد عليا بحزن وعتاب واضح في عينيه:

“والدتك مش هنا يا بني.. والدتك سابت العمارة دي من أسبوعين، والشقة دي اتأجرت للأستاذ.”

الكلمة نزلت على دماغي زي مية ساقعة، رجعت خطوة لورا وقولت بذهول:

“سابت العمارة؟! يعني إيه سابتها؟ راحت فين؟! دي ومطرحها، هتروح فين يعني ومين اللي معاها؟!”

الجار قرب مني، حط إيده على كتفي وطبطب عليا بحسرة وقال بصوت واطي:

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى