قصص وروايات

حكم طلاق حكـايات مني السيد

قعدت على الأرض عند رجلي أمي.. الفلوس، الساعة، الهدايا، هدى، الشقة، الشركة.. كل حاجة تلاشت في لحظة.

أنا ما خسرتش مراتي بس.. أنا اكتشفت إني كنت عايش في وهم كبير، إني كنت شايف نفسي البطل، وأنا في الحقيقة كنت الجاني اللي دمر كل حاجة بجهله وأنانيته.

فجأة، جرس الباب رن.

رنة متواصلة ومزعجة.

قمت ببطء، فتحت الباب وأنا متوقع ألاقي محضر المحكمة أو رجال البنك.

بس اللي كان واقف بره.. كانت هدى.

هدى.. لابسـة نظارة شمسية كبيرة، وواقفة ماسكة شنطة إيدها الغالية، ووراها راجلين شايلين شنط سفر ضخمة!

بصتلي بسعادة وقالت بصوت عالي:

— أحمد حبيبي! المالك بتوع الشقة الإيجار في إسكندرية جه وطردنا عشان الإيجار متأخر بقاله شهرين وإنت ما دفعتش! فقلت أجيب حاجتي وأجي أعيش معاك هنا في بيتك الرئيسي بقى.. إيه ده؟ مالك باصصلي كده ليه؟!

بصيت لهدى.. وبعدين بصيت لأمي اللي كانت قاعدة ورايا وبتضحك بصوت واطي وموجوع.

هدى دخلت الشقة خطوتين، وبصت للكركبة والريحة، وقالت بقرف:

— إيه القرف ده يا أحمد؟ هي فين مراتك الأولى دي ما بتنضفش ليه؟ وتكونش العجوزة دي أمك؟ ما قلتليش إنها قاعدة معاك هنا!

في اللحظة دي بس.. حسيت إن السقف بيقع فوق دماغي.

الست اللي أنا بعت عشانها عمري وهي منى.. اتطلقت مني وأخدت كل حاجة، والست اللي أنا تجوزتها في السر وجبت لها ساعات بـ 120 ألف جنيه.. جاية دلوقتي تطالب بحقها في البيت اللي خلاص بقى مهدد بالحجز من البنوك!

وقفت قدام هدى وأنا مش قادر أجمع كلامي.. بس قبل ما أنطق، أمي رفعت صوتها من جوه وقالت:

— ادخلي يا حبيبتي ادخلي.. الشقة شقتك، والديون ديون جوزك.. وتعالي وريني هتعرفي تأكليه منين لما البنك يجي ياخد الساعتين اللي في إيديه!

هدى تجمدت مكانها وبصتلي بصدمة:

— ديون إيه وبنك إيه يا أحمد؟! أنت مش قلتلي إنك رجل أعمال وعندك ملايين في البورصة؟!

فتحت بوقي عشان أرد.. لكن التليفون في جيب بنطلوني هز.

رقم غريب.. دولي.

رفعت التليفون بلهفة ورجفة:

— ألو؟

صوت راجل هادي ورزين جاني من الناحية التانية:

— أحمد محمود؟

— أيوه.. مين معايا؟

— أنا الدكتور سامح.. الطبيب المتابع لحالة أستاذة منى في ألمانيا.

قلبي نط من مكانه:

— منى؟! منى عاملة إيه يا دكتور؟! هي كويسة؟! إديهالي أكلمها بالله عليك!

الدكتور سكت لحظة.. السكوت ده كان أطول وأرعب لحظة مرت عليا في حياتي.

وبعدين قال بنبرة جافة:

— أستاذ أحمد.. المدام منى سابتلي الرسالة دي ورغبت إني أبلغهالك أول ما تعدي مرحلة الخطر في العملية الأولى.. أقولك اللي فيها؟

ـ قول يا دكتور.. قول أرجوك!

الدكتور بدأ يقرأ من ورقة قدامه، وصوت منى كان بيتردد في ودني مع كل كلمة بيقرأها الدكتور:

“يا أحمد.. لو بتسمع الرسالة دي دلوقتي، تبقى عرفت كل حاجة. عرفت الفلوس، والمرض، والطلاق. أنا ما كتبتلكش الرسالة دي عشان أصعب عليك، ولا عشان أطلب منك تحس بالذنب. أنا كتبتها عشان أقولك إن أربع شهور اختفاءك كانوا أكبر نعمة ربنا الصمت اللي نزل على الشقة بعد ما خط الدكتور تقفل كان أتقل من الجبل.

صوت الشاشة المكسورة لما خبطت في البلاط كان زي صوت آخر حاجة سليمة جوايا وهي بتتكسر. هدى كانت واقفة قدامي، عينيها بتتحرك بيني وبين أمي وبين الكراكيب اللي في الشقة، نظرتها اتحولت في ثواني من الدلع والسيطرة للشك والذعر.

مسكتني من دراعي بقوة، ضوافرها غرزت في قميصي:

— أحمد! أنت ساكت ليه؟! رد عليا! إيه الكلام اللي الست دي بتقوله ده؟ يعني إيه ديون وحجز؟ ويعني إيه فلوس مراتك الأولى؟! أنت مش قلت لي إنك مهندس استشاري وعندك شركتك الخاصة وبيجيب لك ملايين من إسكندرية؟!

بصيت لإيدها اللي ماسكة دراعي. نفس الإيد اللي كنت أشتريت لها أساور دهب من شهرين. نفس الإيد اللي كنت بشوفها “عوض”، وأتاريها كانت إيد بتسحبني للقعر وأنا مغمى عليا.

نفضت إيدها بعنف.

— اسكتي! اسكتي خالص ومش عايز أسمع صوتك!

هدى شهقت، ورجعت لورا خطوتين، وشها احمر من الغضب:

— أنا يتقال لي اسكتي؟! أنت أتلغبطت في الكلام ولا إيه يا أحمد؟ أنا سبت بيتي وجيت لك بشيلتي عشان تشتمني؟

أمي من جوه كحّت كحة مكتومة، وبعدين رفعت صوتها المبحوح وهي بتلف كرسيها وبتيجي ناحية الصالة:

— سيبيه يا حبيبتي.. سيبيه أصل النكسة لما بتيجي على راس الغافل بتبقى تقيلة. هو مش عارف يرد عليكِ لأنه اكتشف إنه مش سي أحمد اللي بيمشي كلمته على الكل.. هو اكتشف إنه كان عايش على قفا الست اللي رماها في المستشفى عشانك!

هدى بصت لأمي بقرف وصرخت:

— أنتِ مين أصلاً عشان تتكلمي معايا كده؟ أنتِ حتة عجوزة قاعدين نخدمك ونشيلك!

أول ما الكلمة طلعت من بوقها، حسيت بالدم بيغلي في نفوخي. ما شفتش قدامي. قربت منها ورفعت صباعي في وشها، وصوتي خرج زي الهزيم:

— لمي لسانك! الكلمة دي لو طلعت منك تاني على أمي، قسماً بالله ما هتعرفي هتطلعي من الباب ده إزاي! أمي دي اللي كانت منى بتغسل رجلها بالمايل والمستكة وهي نازفة كيماوي! أنتِ بقى عملتِ لها إيه غير إنك أخدتِ الفلوس اللي كانت المفروض تترد علاج ليها؟!

هدى اتسمرت مكانها، والراجلين اللي كانوا شايلين الشنط بره الباب بصلوا لبعض بتوتر. واحد منهم قال بصوت واطي:

— يا كابتن.. إحنا هنحط الشنط هنا ونمشي، الأجر حسابنا عليه كام؟

هدى التفتت له وهي بتترعش من الغضب:

— حاسبهم يا أحمد! حاسب الناس دول خليهم يمكوا!

حطيت إيدي في جيبي. طلعت المحفظة. فتحتها قدامها.. ما كانش فيها غير كام ورقة فئة مية جنيه، وبطاقة الفيزا اللي البنك لسه قافلها من ساعتين.

رميت الميات للراجلين:

— خدو دول وغوروا من وشي.

الراجلين أخدوا الفلوس ومشوا بسرعة وقفلوا الباب وراهم، وسبنا في اللحظة دي مع الواقع العريان.

هدى بصت للمحفظة الفاضية، وبعدين بصت للأكياس اللي على الكومودينو. عينيا لمعت. جريت على الأكياس، فتحتها بلهفة وطلعت علب الساعات الفخمة.

— الساعات دي بـ 120 ألف جنيه.. أنت قلت لي كده! أنا هآخدهم أبيعهم وأخد حقي منك!

قربت منها ببرود، وبرود لمس قلبي فجأة:

— خديها. خدي الساعات يا هدى. خديها وبصي فيها كويس.. كل ثانية بتمر في الساعتين دول، مدفوعة من دم مراتي اللي بتصارع الموت في ألمانيا. خديها وعيشي بيها لو عرفتي تنامي والذنب بياكل في عضمك.

هدى شالت العلب في شنطتها بسرعة وكأنها خايفة أغير رأيي، وقالت وهي بتعدل نظارتها الشمسية:

— أنت اتجننت! ذنب إيه وبتاع إيه؟ أنت اللي جيت لي وركعت تحت رجلي عشان أتجوزك! أنت اللي قلت لي إنك مش مرتاح مع مراتك وإنها نكدية وبتقرفك! أنا مال أهلي بالمشاكل دي كلها؟!

في اللحظة دي.. جرس الباب رن تاني.

المرة دي ما كانتش رنة العشم ولا رنة هدى. كانت ضرب متواصل على الباب العريض، ضرب يخلي القلب يقع في الرجلين.

أمي بصت للباب، ووشها اصفر:

— أهو شؤمك جه يا أحمد.. البنك وصل.

مشيت بجمود وفتحت الباب.

كان واقف بره راجلين بلبس رسمي، معاهم راجل ثالث بلبس الشرطة، وفي إيدهم ملفات أوراق رسمية صفرا.

الراجل اللي في النص بص في الورق وبعدين بص لي:

— الاستشاري أحمد محمود؟

— أيوه أنا.

— إحنا محضرين من محكمة جنوب القاهرة، ومعانا أمر تنفيذي عاجل بالحجز التحفظي على محتويات الشقة والتحفظ على العقار بناءً على الطلب المقدم من الممثل القانوني للسيدة منى عبد الرحمن، وبموجب أحكام الصكوك المالية والكمبيالات الموقعة من سيادتك لصالحها ولصالح بنك (م).

هدى صرخت من ورايا:

— حجز إيه يا باشا؟! الشقة دي فيها حاجاتي! أنا مراته التانية ولسه جاحية من إسكندرية مالهاش دعوة بالموضوع ده!

المحضر بصلها بنظرة جافة، وقرأ من الورقة:

— السيدة هدى عبد الملك؟

هدى اتبدلت ملامحها:

— أيوه.. أنا.

المحضر كمل قراءة:

— ومعانا كمان إحالة بالاستدعاء لسيادتك أمام النيابة العامة بتهمة التستر والتصرف في أموال مرهونة لصالح الغير، بناءً على الشكوى المقدمة من محامي السيدة منى، بتلقي مبالغ مالية وهدايا عينية أصلها مقتطع من أموال الشركة المرهونة للبنوك.

هدى وقعت الشنطة من إيدها، والعلب بتاعة الساعات طلعت بره الشنطة وتدحرجت على الأرض تحت جزمة الظابط.

الظابط انحنى وأخد العلب، فتحها وبص فيها، وبعدين بص لهدى:

— الساعات دي جزء من المشتريات اللي تم التحفظ على فواتيرها من المحل النهاردة الصبح. اتفضلي معانا يا مدام عشان توضحي موقفك في النيابة.

هدى بدأت تصرخ وتعيط هستيري:

— لأ! لأ يا أحمد اتكلم! قولهم إني ماليش دعوة! أنت اللي اشتريتهم لي! أنت اللي ضحكت عليا وقلت لي إنك غني! الحقني يا أحمد!

كنت واقف زي الصنم. بصيت لها وهي بتعيط.. نفس الوش اللي كنت بشوفه جماد من الجمال، كان شكله دلوقتي بائس ورخيص ومقزز.

قلت للظابط بصوت خالي من أي إحساس:

— هي مالهاش ذنب في الشركة يا باشا.. الساعات دي أنا اللي اشتريتها بفلوسي اللي سحبتها من الحساب المسقوف. أنا المسئول.

المحضر سجل الكلام في محضر رسمي، والظابط قال:

— تتفضل معانا هي الأول للنيابة لإبداء الأقوال، وأنت يا أستاذ أحمد قدامك 48 ساعة لسداد المبالغ أو العرض على النيابة لتنفيذ قرار الضبط والإحضار. والشقة دي ممنوع التصرف في أي حاجة فيها بدءاً من اللحظة دي.

هدى اتسحبت من دراعها وهي بتصرخ وتشتمني بأبشع الألفاظ، بتشتمني على الفلوس وعلى الـ 120 ألف جنيه وعلى الحظ الأسود اللي جابها في طريقي. خرجت من الباب وهي بتزق في العساكر، والباب اتقفل وراهم.

الشقة رجعت هادية تاني.

هادية زي المقبرة.

البيت الفاضي، التراب اللي مغطي الزوايا، وأمي اللي قاعدة بتبص لي والدموع نازلة من عينيها على البلوزة المتبهدلة.

مشيت ببطء، وقعدت على الأرض تحت رجلين أمي. حطيت راسي على ركبتها، زي ما كنت بعمل وأنا عيل صغير لما أهرب من الشارع بعد ما أتضرب.

أمي حطت إيدها الضعيفة على شعري.. إيدها كانت بترتعش، بس لمستها كانت أتقل من السياط.

— ضيعت نفسك وضيعتنا يا أحمد.. عشان إيه؟ عشان وهم؟

دموعي نزلت بجد المرة دي. دموع تحرق الوش.

— أنا آسف يا ماما.. أنا آسف.. أنا كنت فاكر إني مسيطر.. كنت فاكر إني بآمن نفسي.. كنت فاكر إن منى مش هتعرف وإن الدنيا هتمشي عادي..

أمي رفعت راسي بإيدها المتنافضة وخليتني أبص في عينيها:

— منى كانت شايلاها لك يا أحمد. كانت شايلاك وشايلة اسمك وبيتك وأمك المريضة. منى ما كانتش زوجة.. منى كانت السقف اللي حاميك من المطرة. وأنت بإيدك طلعت فوق السقف وقعدت تكسر في الخشب لحد ما المية غرقتاك وغرقتنا معاك!

سكت.. الكلام مات في زوري.

في اللحظة دي، تليفوني المكسور على الأرض رن تاني.

الشاشة كانت متدشمة، بس الصوت كان طالع واضح.

رفعت التليفون بحذر، خايف يكون المحامي، خايف تكون النيابة.. بس الرقم كان رقم مصري عادي.

فتحت الخط وحطيته على ودني:

— ألو؟

صوت راجل حاد، مليان كبرياء وقسوة، جاني من الناحية التانية. صوت طارق.. أخو منى الكبير.

— أحمد؟

— طارق؟ طارق إزاي الصحة؟ منى عامة إيه؟ بالله عليك يا طارق طمني عليها! أنا عرفت كل حاجة.. عرفت المرض والعملية.. قولي هي عامله إيه في ألمانيا؟!

طارق ضحك ضحكة قصيرة، ضحكة تقطع النفس من جفافها:

— طالع فيك الروح فجأة يا أحمد؟ لسه فاكر إن ليك مراتي اسمها منى؟

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى