
رن جهاز المراقبة بجانبها.
دخل الأطباء بسرعة، وطلبوا من الجميع الخروج.
وأثناء خروج كاميرون، أوقفه المحامي وقال بهدوء
الدكتورة أميليا كتبت رسالة بخط إيدها… وقالت إنها تتسلم لك لو نجت من العملية.
أخرج ظرفًا أبيض من الحقيبة.
ناولَه لكاميرون.
ارتجفت يده وهو ينظر إلى اسمه المكتوب على الظرف…
لكنه لم يجرؤ على فتحه بعد كاميرون اندفع إلى داخل الغرفة كالمجنون.
أميليا!
لم يجبه أحد.
الممرضة التي كانت مكلفة بالعناية بها كانت ملقاة على الأرض فاقدة الوعي، لكن نبضها كان موجودًا.
الجراح انحنى عليها بسرعة.
هاتوا نقالة! دي لسه عايشة في نفس اللحظة، ضغط مدير المستشفى على زر الإنذار.
دوّى صوت صفارات الطوارئ في كل المبنى.
إغلاق جميع المخارج… ممنوع أي حد يخرج من المستشفى!
بدأ أفراد الأمن ينتشرون في كل الطوابق.
كاميرون كان ينظر إلى السرير الفارغ، ثم لاحظ شيئًا صغيرًا فوق الوسادة.
ورقة مطوية.
فتحها بسرعة.
كانت بخط أميليا.
قرأ بصوت مرتجف
أنا ما اتخطفتش… متدورش عليّ.
ساد الصمت.
لكن رئيس الشؤون القانونية أخذ الورقة، وقطّب حاجبيه.
دي مش مكتوبة دلوقتي.
نظر إليه كاميرون باستغراب.
يعني إيه؟
أشار إلى الحبر وقال
الحبر ناشف من ساعات… يمكن من قبل العملية أصلًا.
في تلك اللحظة، دخل مسؤول تقنية المعلومات وهو يحمل جهازًا لوحيًا.
لقينا تسجيل كاميرا الممر.
شغّل الفيديو.
ظهر باب غرفة العناية.
بعد ثوانٍ…
خرجت أميليا بنفسها.
كانت تمشي بصعوبة، وتسند على حامل المحاليل.
لكن الغريب…
أنها لم تكن وحدها.
كان بجانبها شخص يرتدي ملابس الأطباء، ووجهه مخفي بالكمامة والغطاء الطبي.
لم يجبرها على المشي.
ولم يسحبها بالقوة.
بل كانت تتحرك معه بإرادتها.
توقف الفيديو عند لحظة دخولهما إلى مصعد الخدمة.
كاميرون همس
هي… خرجت معاه؟
رد مدير المستشفى وهو يثبت نظره على الشاشة
يبقى هي كانت تعرفه.
وفي اللحظة نفسها، رن هاتف مدير المستشفى.
رد سريعًا.
ظل صامتًا لثوانٍ، ثم قال
إيه؟… اتأكدتوا؟
أغلق الهاتف ببطء.
ونظر إلى كاميرون.
السيارة اللي خرجت من جراج المستشفى قبل عشر دقائق… مسجلة باسم شخص… مات رسميًا من ثلاث سنوات.
وتجمد الجميع في أماكنهم كاميرون فضل يبص للظرف ثواني طويلة.
إيده كانت بترتعش.
كل اللي حواليه كانوا مستنيين يفتحه… لكنه كان خايف من اللي جواه أكتر من خوفه من أي تحقيق.
أخيرًا…
قطع طرف الظرف ببطء.
طلع منه خطاب بخط أميليا.
بدأ يقرأ بصوت منخفض
كاميرون… لو الرسالة دي وصلت لإيدك، يبقى أنا لسه عايشة، وربنا اداني فرصة تانية. وأنا مش بكتبها عشان أسامحك… ولا عشان ألومك. أنا بكتبها لأن فيه حاجة أخطر بكتير من اللي حصل في أوضة الولادة.
رفع عينه من الورقة، ثم أكمل.
لو فاكر إن اللي حصل كان مجرد قرار طبي غلط… فأنت لسه ماعرفتش الحقيقة.
شهق مدير المستشفى.
أما صوفي، فبدأت تبكي بصمت.
واصل كاميرون القراءة
أنا كنت عارفة إن حد بيتلاعب في المستشفى. لكن قبل أسبوع من الولادة، اكتشفت إن الموضوع مش مجرد تزوير تقارير… فيه شبكة كاملة شغالة من سنين.
ساد الصمت في الممر.
ثم قرأ السطر التالي…
فتوقف فجأة.
اتسعت عيناه.
مدير المستشفى اقترب منه.
إيه اللي مكتوب؟
كاميرون لم يرد.
كانت الكلمات كأنها شلت لسانه.
أخذ مدير المستشفى الخطاب من يده وقرأ بنفسه.
ثم تغير لون وجهه هو الآخر.
رفع رأسه ببطء وقال
لو الكلام ده صحيح…
وسكت.
يبقى كل التحقيق اللي إحنا بنعمله دلوقتي… بيدور حوالين الشخص الغلط.
في نفس اللحظة…
ظهر أحد رجال الأمن وهو يجري بأقصى سرعته.
يا فندم… في حد دخل العناية المركزة!
التفت الجميع ناحية الباب.
ركضوا بكل قوتهم.
لكن أول ما وصلوا…
لقوا الغرفة فاضية.
سرير أميليا كان موجود…
الأجهزة شغالة…
لكن أميليا نفسها…
اختفت تجمد كاميرون مكانه، والهاتف ما زال في يده.
نظر إليه ضابط الشرطة وقال
مين كان بيتكلم؟
تردد للحظة.
ثم تذكر آخر كلمات أميليا
أوعى تعمل اللي هيقولوه…
رفع رأسه وقال
كان رقم غلط.
الضابط ظل ينظر إليه لثوانٍ، لكنه لم يعلّق.
بعد أقل من دقيقة…
وصلت رسالة نصية إلى الهاتف نفسه.
فتحها بسرعة بعيدًا عن الجميع.
كانت مكتوب فيها
لو عايزها تعيش، تعالى وحدك. ممنوع الشرطة. أمامك 45 دقيقة.
وتحت الرسالة…
إحداثيات لمكان خارج المدينة.
كاميرون قبض على الهاتف بقوة.
كان يعلم أن الذهاب وحده قد يكون فخًا…
لكن تجاهل الرسالة قد يعرّض أميليا للخطر.
وفي الوقت نفسه، داخل غرفة العناية…
كان الطفل الرضيع نائمًا في الحضانة.
اقتربت منه إحدى الممرضات لتطمئن عليه.
لكنها توقفت فجأة.
في السوار المثبت حول معصم الطفل…
كانت هناك ورقة صغيرة مطوية، لم تكن موجودة قبل دقائق.
فتحتها بسرعة.
وبداخلها جملة واحدة فقط
الحقيقة مش موجودة في المستشفى… دوروا تحت اسم مشروع إيريس.
الممرضة اتسعت عيناها.
أخذت الورقة وركضت بها إلى مدير المستشفى.
قرأها أكثر من مرة، ثم قال بصوت منخفض
أنا سمعت الاسم ده قبل كده…
رفع رئيس الشؤون القانونية رأسه فجأة.
وقال بقلق
مشروع إيريس… ده اتقفل رسميًا من خمس سنين.
مدير المستشفى نظر إليه بحدة.
إنت تعرف عنه إيه؟
قبل أن يجيب…
انطفأت الأنوار في المستشفى كلها دفعة واحدة.
ثم اشتغلت المولدات الاحتياطية بعد ثوانٍ.
لكن عندما عادت الكهرباء…
كانت شاشة الكمبيوتر في غرفة المراقبة تعرض رسالة واحدة باللون الأحمر
توقفوا عن البحث… وإلا ستكون الضحية القادمة هي الطفل كاميرون خطف مفاتيح عربيته من جيبه وهو بيقول
مستحيل… واحد ميت يسجل عربية باسمه.
مدير المستشفى هز رأسه وقال
وده اللي مخليني متأكد إن حد بيلعب بينا من البداية.
في نفس اللحظة، دخل ضابط الشرطة المسؤول عن التحقيق بعد ما وصله البلاغ.
أخذ نسخة من تسجيل الكاميرات، ثم قال
قبل ما أي حد يتحرك… في حاجة لازم تشوفوها.
أخرج تقريرًا مطبوعًا.
راجعنا بيانات السيارة.
قلب الصفحة.
العربية فعلًا كانت باسم الطبيب المتوفى… لكن من شهرين اتعمل لها نقل ملكية.
كاميرون سأل بسرعة
لمين؟
الضابط رفع عينه من الورقة.
شركة وهمية.
مدير المستشفى قال بضيق
يعني حد مخطط لكل ده.
الضابط أكمل
لكن اللي ساعدنا إن بوابة الجراج صورت السائق وهو بيخلع الكمامة بعد ما خرج.
شغّل الصورة على الجهاز اللوحي.
كل الموجودين قربوا.
الصورة كانت أوضح من أي تسجيل سابق.
وفجأة…
شهقت رئيسة التمريض.
أنا أعرفه…
كاميرون بص لها بسرعة.
مين؟
قالت وهي تكاد لا تصدق
ده كان موظف صيانة في المستشفى… اختفى من سنة بعد ما اتفصل بسبب دخوله أماكن ممنوعة.
الضابط دوّن الاسم في دفتره.
واضح إنه مجرد منفذ.
ثم نظر إلى الجميع وقال
اللي يهمني دلوقتي… مين طلب منه يخرج الدكتورة أميليا؟
وفي تلك اللحظة، رن هاتف كاميرون.
نظر إلى الشاشة.
رقم مجهول.
تردد لثوانٍ… ثم رد.
جاءه صوت هادئ جدًا من الطرف الآخر
لو عايز تشوف أميليا وابنك أحياء… متبلغش أي حد بالمكالمة.
اتسعت عينا كاميرون.
ثم جاءه صوت أميليا نفسها، ضعيف لكنه واضح
كاميرون… أوعى تعمل اللي هيقولوه.
وانقطع الخط فجأة تجمد الجميع أمام الشاشة.
حتى ضابط الشرطة، الذي كان يحاول الحفاظ على هدوئه، شعر بأن الأمر تجاوز مجرد خطأ طبي أو مؤامرة داخل المستشفى.
مدير المستشفى صاح
اقفلوا قسم الحضانات فورًا! ممنوع حد يدخل أو يخرج إلا بعد التحقق من هويته.
انطلقت الممرضات نحو حضانة الأطفال، بينما اصطحب ضابطان الطفل إلى غرفة أكثر تأمينًا.
أما كاميرون…
فكان ينظر إلى الرسالة الحمراء، ثم إلى هاتفه، ثم إلى باب المستشفى.
كان ممزقًا بين إنقاذ زوجته وحماية ابنه.
في تلك اللحظة، عاد التيار إلى أجهزة المراقبة بالكامل.
مسؤول تقنية المعلومات صاح
استنوا… الرسالة دي اتبعت من داخل شبكة المستشفى، مش من بره!
التفت الجميع إليه.
إزاي؟
قال وهو ينظر إلى الشاشة
اللي عمل كده لسه موجود جوه المبنى.
ساد صمت ثقيل.
ثم بدأت أجهزة الإنذار تصدر صوتًا مختلفًا.
باب الطابق السفلي… اتفتح.
نظر ضابط الشرطة إلى أفراد الأمن.
انزلوا حالًا!
ركض الجميع نحو السلالم المؤدية إلى الطابق السفلي، حيث الأرشيف القديم وغرف المعدات المهجورة.
كل خطوة كانت تزيد التوتر.
وفجأة…
سمعوا صوت باب حديدي يُغلق بعنف.
ركضوا نحوه.
لكن عندما فتحوه…
لم يجدوا أحدًا.
فقط غرفة قديمة مليئة بالملفات المغبرة.
وفي منتصف الغرفة…
كان هناك صندوق معدني صغير.
عليه ورقة مكتوب بخط اليد
إذا وصلتم إلى هنا… فأنتم متأخرون خمس سنوات.
وبداخل الصندوق…
وجدوا مفتاحًا قديمًا، وفلاشة أخرى، وصورة جماعية قديمة لأطباء المستشفى.
لكن أكثر ما لفت انتباه كاميرون…
أن أميليا كانت قد وضعت دائرة حمراء حول وجه شخص واحد في الصورة…
شخص لم ينتبه إليه أحد من قبل فتحوا الصورة القديمة مرة تانية.
مدير المستشفى حطها على الطاولة، وكل الموجودين بصوا للوجه اللي أميليا كانت معلمة عليه بالدائرة الحمرا.
ابتسمت رئيسة التمريض فجأة وقالت
استنوا… ده مش دكتور.
الكل بص لها باستغراب.
قالت
ده كان موظف أرشيف… اسمه مايكل. اختفى من خمس سنين بعد ما المستشفى أعلنت إنه سرق ملفات مرضى.
ضابط الشرطة طلب ملفه فورًا.
بعد دقائق، رجع أحد الموظفين وهو شايل ملف قديم مليان تراب.
فتحوه…
لكن الملف كان فاضي.
ورقة واحدة فقط كانت جواه.
مكتوب فيها
أنا بريء.
وفي نفس اللحظة، دخلت أميليا على كرسي متحرك بعد ما سمح لها الأطباء بالخروج من العناية لدقائق.
الجميع وقف.
بصت للصورة وقالت بهدوء
مايكل ماكانش السارق… كان بيحاول يمنعهم.
مدير المستشفى سألها
مين هم؟
ردت
مجموعة صغيرة كانت بتزور تقارير المرضى، وتستغل المستشفى في تجارب غير قانونية، وكل واحد كان بيسكت مقابل ترقية أو فلوس.
ثم التفتت إلى كاميرون.
كانت دموعه نازلة من غير ما يحاول يخبيها.
قال بصوت مكسور
أنا خذلتك… كزوج… وكطبيب.
أميليا بصت له طويلًا، ثم قالت
أصعب حاجة مش إنك غلطت… أصعب حاجة إنك رفضت تسمعني لما كنت محتاجة ثقتك.
خفض رأسه، وركع أمامها.
أنا مستعد أتحمل أي عقوبة… بس سامحيني.
سكتت أميليا لحظات.
ثم قالت
المسامحة مش معناها إن كل حاجة ترجع زي الأول.
بعد أسابيع من التحقيق، انكشفت الشبكة كاملة.
تم القبض على كل المتورطين، واعترف موظف الصيانة أنه كان ينفذ أوامر مقابل المال، بينما اعترفت صوفي أنها لفقت بعض المواقف لتكسب ثقة كاميرون وتخفي التلاعب داخل المستشفى، لكنها أنكرت أنها كانت تريد إيذاء أميليا عمدًا.
أما كاميرون…
فقد سُحبت منه رخصة مزاولة المهنة مؤقتًا، وبدأ يواجه محاكمة تأديبية بسبب قراراته الطبية وإهماله في التعامل مع حالة زوجته.
وأميليا، بعد شهور من العلاج، تعافت هي وطفلها.
قدمت استقالتها من رئاسة قسم الطوارئ، وأسست مركزًا لتدريب الأطباء على سلامة المرضى وحق المريض في أن يُسمع صوته.
أما علاقتها بكاميرون…
فلم تعد كما كانت.
انتهى زواجهما بالطلاق بهدوء، لكنهما اتفقا على تربية ابنهما معًا باحترام.
وفي أول عيد ميلاد للطفل، وقف كاميرون بعيدًا يراقب ابنه وهو يضحك بين ذراعي أمه.
اقترب منها وقال
يمكن خسرتك كزوجة… لكن هفضل طول عمري ندمان إني خسرت ثقتك.
ابتسمت أميليا ابتسامة هادئة، وحملت طفلها، ثم قالت
الثقة
زي القلب… ممكن يفضل ينبض بعد ما ينكسر… لكنه عمره ما يرجع زي الأول.
ثم استدارت ورحلت مع ابنها، تاركة خلفها ماضيًا مليئًا بالألم… ومستقبلًا اختارت أن تبنيه على الحقيقة، لا على الصمت.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




