
يا يوسف! يا بني سيبك من النكد والزن اللي تحت ده واطلع.. مي جهزت الفطار ومستنياك، والواد عمال يعيط عايز أبوه!
بصلي يوسف بنظرة أخيرة، نظرة خالية من أي احترام أو عشرة، وعدل ياقة التيشيرت بتاعه وقالي وهو بيمشي ناحية الباب
أنا طالع أفطر.. فكري في كلامي كويس يا رغدة، وعقلك في راسك تعرفي خلاصك.. البيت ده ليه مركب واحدة، وطالما مش عاجبك.. يبقى المركب اللي تودي.
قفل الباب وراه، والرزعة بتاعة القفل سمعت في صدري أنا..
وقفت في وسط الصالة أبص على الضيقة، وأبص على نفسي في المراية.. كنت شاحبة، متبهدلة، وتعب الشقا والخدمة باين على وشي وإيديا اللي تشققت من الكلور ومية التوضيب.. وفي المقابل، ضرتي فوق قاعدة في التكييف، متنعمة بفرش جديد وتعب جاهز..
وفي اللحظة دي بالذات، حسيت ببرود غريب سكن قلبي.. برود شال الدموع وحط مكانها قوة مكنتش أعرف إنها جوايا.. وقولت لنفسي لأ يا رغدة.. الخمس سنين اللي ضاعوا كفاية أوي لحد كده.. واللعبة دي مش هتنتهي بالطريقة اللي هما عايزينها.
أخدت نفس طويل، وريحت جسمي على الكنبة.. القهرة والكسرة اللي كانوا هيموتوني من شوية اتبخروا، وحل مكانهم برود غريب، كأن قلبي جمد وبقى زي الحجر. بصيت لشنطة هدومي الكبيرة اللي تحت السرير، سحبتها وبدأت ألم فيها كل حاجة تخصني.. لبسي، دهبي، وشهاداتي.. كل حاجة بتثبت إن رغدة كانت موجودة في البيت ده.
كنت بلم حاجتي وأنا سامعة صوت ضحكهم فوق بيزيد، وصوت المعالق وهي بتخبط في أطباق الفطار.. فطارهم اللي كان المفروض يبقى من إيدي وتعب شقايا.
قليت في بالي والله ما هقعدلكم فيها ثانية واحدة.. شبعوا ببعض وبشقتكم الجديدة، بس حساب الخمس سنين دول هناخده، تالت ومتلت.
قفلت الشنطة وسحبتها ورايا وطلعت برة الشقة. وأنا بقفل الباب، حسيت إني بقفل صفحة سوء وظلم عشتها ومكنتش شايفة حقيقتها. نزلت السلم بخطوات ثابتة وقوية، مفيش دموع، ومفيش رجفة.
وأنا بفتح باب العمارة الخارجي، لقيت حماتي نازلة على السلم تشتري حاجة. أول ما شافت الشنطة في إيدي، عينيها برقت وقالت بلهجة كلها شماتة ولؤم
على فين يا رغدة يا بنتي؟ واخدة شنطتك ومروحة لبيت أبوكي عشان تلوي دراع يوسف؟ فكري كويس يا حبيبتي، يوسف مش هيركعلك، وعروسته الجديدة مالي مالي عينه وقلبه.
وقفت مكاني، وبصيتلها من فوق لتحت ببرود وثقة خلت الضحكة تهرب من وشها، وقولتلها بصوت هادي وراسي
أنا مش هقعد ألوي دراع حد يا حماتي.. يوسف خلاص بقى ماضي ورخص من نظري، والشقة اللي أنا وضبتها وتعبت فيها وكنتوا بتستغفلوني عشانها.. خلوها تشبعكم.. بس افتكري كويس، دعوة المظلوم ملهاش حجاب، والقرشين اللي يوسف وفرهم من شقايا وتغفيلكم ليا.. هتدفعوا تمنهم غالي أوي ومن صحتكوا وراحتكوا.
سيبتها واقفة بوقها مفتوح ومبرقة من الذهول، وسحبت شنطتي وطلعت للشارع.. الهوا النضيف خبط في وشي،
ركبت أول تاكسي قابلني، رميت الشنطة في الشنطة ورا، وركبت وأنا حاطة راسي على الشباك وببص للشوارع وهي بتجري من جنب
عيني.. لأول مرة محسش بخوف من بكرة، بالعكس، كنت حاسة براحة ونظافة في قلبي وكأن الشوائب والغمامة اللي كانت على عيني انزاحت خلاص.
وصلت بيت أبويا.. الباب اتفتح، وأول ما أمي شافتني بالشنطة دي ووشي اللي باين عليه معالم حرب نفسية، شهقت وحطت إيدها على صدرها
رغدة! يا بنتي في إيه؟ ومالك جاية بشنطة هدومك كده ليه ويوسف فين؟ مش المفروض زمانه وصل من المطار؟
دخلت الشنطة، وقعدت على الكنبة بتنهيدة طويلة، وجالي أبويا على الصوت وهو مخضوض. بصيت لهم وقولت بكل هدوء برود الدنيا كله في صوتي
يوسف رجع يا بابا.. رجع بمراته الجديدة وابنه اللي عنده سنتين.. وحماتي كانت مخلية الشقة الجديدة اللي هديت حيلي فيها وبنضفها وبفرشها بالحلل والملايات عشان ست الحسن والجمال تدخل على الجاهز.
أمي لطمت على صدرها وبدأت تدعي وتتحسبن، وأبويا وشه اتقلب وجاب ألوان من الغضب وعروق جبهته برزت
الواطي قليل الأصل! بقالنا خمس سنين صاينين غيبته وبنتنا تخدم أمه وهو متجوز ومخلف وسايبك زي الوقف؟ والله ما هعديلهاله، أنا هروحله وأجيب حقي وحقك وحق شقاكي من عينه!
حطيت إيدي على إيد أبويا، وبصيتله بعيون مفيهاش دمعة واحدة، عيون فيها قوة وتصميم
لأ يا بابا، بالله عليك ما تروح ولا تبهدل نفسك مع ناس بالرخص ده.. يوسف وأمه ميستاهلوش إنك تقف قدامهم وتزعق وتضيع هيبتك وصحتك عشانهم. يوسف تمنه عندي بقى أرخص من التراب.. بس حقي وحق الخمس سنين دول، وحق دهبي وشقايا وكل مليم صرفته وصان بيته بيه، هاخده بالقانون وتالت ومتلت.. ومحامين البلد كلهم هيتحاكوا بالقضية دي.
أبويا بصلّي بذهول وفخر في نفس الوقت، كأنه مكنش متوقع إن بنته الهادية المطيعة هتقف الوقفة دي.. طبطب على كتفي وقال
وعز
جلال الله يا رغدة، لو عايزة توديهم ورا الشمس لأقف معاكي وأسندك بآخر قرش في جيبي.. راسك تترفع فوق، والناقص ناقص وهيجي يوم يندم فيه على رخصه.
سندت راسي على كتف أبويا وأنا ببتسم بمرارة ونصر.. من الليلة دي، رغدة القديمة، المطيعة اللي بتمسح وتكنس وتخدم وتسمع الكلمة وتصبر على الغربة والقلة، ماتت ودفنتها في الشقة اللي فوق.. ومن بكره، هتبدأ مرحلة تانية خالص، هعرفهم فيها مين هي رغدة لما تقرر تاخد حقها.
من النجمة، كلمت واحد من قرايبنا محامي معروف بثعلب المحاكم، اسمه الأستاذ عادل. روحتله مكتبه أنا وبابا، وقعدت معاه وحكيتله كل التفاصيل من طقاطق لسلام عليكم.. من أول جوازي من 5 سنين، ودهبي اللي يوسف خده مني بحجة إنه هيشغلهوله بره، لشغلي وخدمتي لسلفتي وحماتي، لحد اللعبة الأخيرة بتاعة الشقة وضرتي مي.
الأستاذ عادل سمعني وهو بيسند ضهره لورا وبيبتسم ابتسامة ثقة وقاللي




