قصص وروايات

اتصلت بجوزى

مقدرتش أنطق.. الحروف اتمحت من على لساني. ارتميت في حضنها وسبت الشنطة من إيدي. في اللحظة دي بس، دموعي المحبوسة انفجرت.. بقيت أعيط بشهقات عالية، عياط قهر ووجع طالع من أعمق حتة في روحي. أمي كانت بتطبطب عليا وهي مرعوبة وبتناديني:

ـ يا حبيبتي وحدي الله! قوليلي في إيه؟ نشفتي دمي!

على صوتنا خرج أبويا من جوه وهو بيعدل نظارته، ملامحه اتملت قلق وهو شايفني منهارة في حضن أمي والشنطة ملقية على الأرض. قرب مننا وبصوت كله حنية ممزوجة بخوف أب، حط إيده على كتفي وقال:

في إيه يا أسماء؟ إيه اللي جابك على الصبح كدا بالشكل ده؟ أحمد زعلك؟

رفعت راسي ببطء، ومسحت دموعي وإيدي لسه بترتعش. بصيت لأبويا وأمي اللي كانوا واقفين مستنيين كلمة تطمنهم، وقولت بنبرة ميتة، مكسورة، بس واضحة:

ـ أحمد اِتجوز يا بابا.. اِتجوز انهارده، وقفل في وشي السكة وقالي إن حياته معايا كانت مجرد محاولة نسيان!

وقع الكلام عليهم زي الصاعقة. أبويا رجع خطوة لورا وصدمته لجمت لسانه، وأمي حطت إيدها على صدرها وبقت تبصلي وهي مش مصدقة، كأنها بتسمع كلام عن حد غريب مش عن أحمد اللي كانت بتعامله زي ابنها.

أمي قعدتني على الكنبة وهي بتطبطب على كتفي وإيدها بترتعش، ودموعها نزلت عشان دموعي:

ـ يتجوز؟! يتجوز إزاي ومن وراكِ؟ ومين دي اللي يهد بيته عشانها بعد السنين دي كلها؟!

بصيت للأرض وقولت بصوت مخنوق من وسط دموعي:

ـ نادين.. حبيبة الماضي اللي كان دايماً يقنعني إنه نسيها، طلعت هي الحاضر وهي كل حاجة، وأنا مكنتش أكتر من فتره بيعدي بيها وقته لحد ما ترجع له.

في اللحظة دي، ملامح أبويا اِتبدلت تماماً. القلق والخوف اِتحولوا لغضب عارم، عروق وشّه برزت وعينه اتملت شرار. مشى في الصالة رايح جاي وهو بيجز على سنانه، وطلع تليفونه من جيبه وبقى يضغط على الشاشة بعنف وهو بيقول بصوت جهوري هز الحيطان:

ـ والله ما هسيبه! بقا أنا آمنه على بنتي الجوهرة اللي صنتها وربيتها، وفي الآخر يكسر بخاطرها ويرميها الرمية دي عشان نزوة وماضي؟! أنا هعرفه قيمته وقيمة بنات الناس اللي فكرهم لُعبة في إيده!

بدأ يتصل بيه، وكنت سامعة رنين التليفون من بعيد وأنا كاتمة نفسي، مستنية أشوف أحمد هيرد على أبويا بإيه، وهل البرود اللي كلمني بيه هيقدر يواجه بيه راجل وقف في ظهري العمر كله؟

أبويا حط التليفون على ودنه، والسكوت عمّ الصالة ومفيش غير صوت أنفاسه العالية والغاضبة. ثواني ولقيته أخد نفس طويل، وزعق في التليفون بكل قوته:

ـ أيوة يا أحمد!.. بقا إنت تطلع بالندالة دي؟ ده أنا قولت عليك راجل وهتصون بنتي! بقا تكسر بقلبها وتتلوى وتتجوز من وراها وكمان تكلمها بالبرود ده؟!

سكت أبويا لحظة وهو بيسمع رد أحمد، وملامحه كانت بتزداد قسوة وغضب. فجأة أبويا قاطعه بزعيق أعلى:

ـ ما تقوليش نصيب! بنات الناس مش لعبة في إيدك تجرب فيهم النسيان ولما تزهق ترميهم! بنتي حرة، والبيت اللي اتهد ده مش هيدخله ضفرها تاني.. إنت سامع؟! حقوقها كاملة هتوصلها لحد عندها، وإنت مالكش كلام معانا تاني، حسابي معاك هيبقى تقيل يا أحمد!

أبويا قفل السكة في وشّه بعنف، وهو بينهج من كتر العصبية. رمى التليفون على الطربيزة وبصلي، ونبرة صوته اتغيرت تماماً؛ اِتحولت من الغضب لحنان أبوي دافي، قرب مني وقعد جمبي، وأخدني في حضنه وهو بيطبطب على ظهري:

ـ ما تبكيش يا أسماء..، هو ما يسواش دمعه واحظه من عينك دى . ورب العزة لأجيب لك حقك تالت ومتلت، والباب اللي اتقفل وراكِ، هيتفتح لك مكانه ألف باب للأمان. طول ما أنا عايش على وش الدنيا، راسك هتفضل مرفوعة.

كلام أبويا كان زي المرهم اللي اتحط على جرح بيغلي. اتندت برأسي على كتفه، وأمي قعدت الناحية التانية وهي بتملس على شعري وبتدعيلي. حسيت إن رغم الكسرة والصدمة، ورغم إن حياتي اللي فاتت اتهدت، إلا إن هنا.. في البيت ده، لسه فيه أرض صلبة أقدر أقف عليها من تاني.

مرت الأيام ورا الأيام، والبيت اللي اتربيت فيه بقا هو حصني الوحيد. في الأول، كنت بحس إن كل ركن في أوضتي القديمة بيفكرني بأسماء البنت اللي خرجت من هنا بفستانها الأبيض والضحكة مالية وشها، وبيصعب عليا نفسي وأنا شايفة “أسماء” الحالية.. المكسورة، اللي بتصحى من النوم على كابوس الكلمة اللي اتقالتلها في التليفون.

أحمد حاول يتصل بأبويا كذا مرة، وبعت ناس من قرايبه عشان “يهدوا النفوس” ويقولوا إن الستات بتستحمل، وإن البيت ميتخربش من أول جوازة، لكن أبويا كان زي السد المنيع. كان رده دايماً كلمة واحدة: “بنتي مش تكمّلة عدد، ولا داير سبرتو عشان ينسى فيها قديمه. حقوقها تيجي، والطلاق يتم بالمعروف، غير كدا مفيش كلام.”

بعد أسبوعين من المحاولات والمشاحنات، وبفضل وقفة أبويا وإصراره، أخدت كل حقوقي القانونية والمادية، وتم الطلاق.

يوم ما ورقة طلاقي وصلت في إيدي، فضلت باصة لها كتير. مكانتش مجرد ورقة، دي كانت شهادة وفاة لفصل من عمري، وفي نفس الوقت كانت طوق النجاة اللي رجع لي حريتي وكرامتي اللي اتهدروا في مكالمة نص الليل.

وقفت قدام مرايتي، بصيت لملامحي اللي دبلت من الحزن، وأخدت نفس طويل قوي.. نفس حقيقي ومكتمل لأول مرة من يوم الصدمة. مسحت دموعي الأخيرة، وقولت لنفسي: “الحكاية منتهتش يا أسماء.. الحكاية الحقيقية لسه هتبدأ انهارده، بس المرة دي وأنا البطلة الوحيدة، ومن غير ما أكون مجرد محاولة نسيان في حياة حد.”

عدت الشهور، والوقت اللي كان بيمر عليا في الأول زي السكاكين، بدأ يداوي الجروح واحدة واحدة. نزلت من قوقعتي وقررت إن الحياة مش هتقف عند محطة إنسان ماعرفش قيمتي. رجعت لشغلي، وركزت كل طاقتي ومجهودي فيه، وبقيت بملى يومي بحاجات بحبها.. بالقراءة، بالخروج مع أهلي، وبترتيب أولوياتي من جديد.

اكتشفت في الفترة دي إن الوجع بيقوّي، وإن الكسرة اللي كنت فاكراها النهاية، كانت مجرد نقطة ومن أول السطر عشان أعيش لنفسي وللناس اللي بجد بيحبوني وصاينيني.

وفي يوم، كنت ماشية في مكان عام بخلص مشوار تبع الشغل، ولمحت من بعيد ملامح عارفاها كويس.. كان أحمد.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى