قصص وروايات

عيد ميلاد

بقى في دكر يسيب مراته بتموت في دمها ورايح يهيص في عيد ميلاد؟ ده إنت لو وقعت في إيد أبوها اللواء برة، مش هيخلي فيك حتة سليمة.. ادعى ربنا البنت تقوم، لأنها لو جرى لها حاجة، إنت هتدفن هنا.

كريم حط راسه بين إيديه وبدأ يعيط بهيستريا. لأول مرة يحس بالندم الحقيقي، مش عشان ندى، لكن عشان نفسه ومستقبله اللي ضاع في لحظة طيش وأنانية. تذكر شكل شقته، والدم اللي كان مالي المطبخ، وصوت الباب وهو بيقفله بعنف.. كل حاجة كانت بتطارده في الضلمة.

تاني يوم الصبح، الشمس لسه بتطلع، كانت عربية ترحيلات تابعة للنيابة واقفة قدام القسم. العساكر سحبوا كريم وهو دايخ ومش قادر يقف على رجليه، وركبوه العربية عشان يتعرض على وكيل النيابة.

وفي مكتب وكيل النيابة، المفاجأة الكبيرة كانت مستنياه.

كريم دخل والكلبش في إيده، لقى محامي واقف مستنيه، بس مش أي محامي.. ده كان الأستاذ رفعت، أكبر محامي جنايات في مصر، وصديق مقرب للواء أحمد. وجنب المكتب، كانت قاعدة الحاجة سهير، أم كريم، وشها كان مقلوب باكي وفستانها الدهبي اتبدل بعباية سودا، وأول ما شافت ابنها صرخت

يا حبيبي يا كريم! عملوا فيك إيه يا ابني؟ بقى الحتة المحامية دي تحبسك وتعمل فينا كدة؟

وكيل النيابة خبط على المكتب بعنف

اسمعي يا مدام! إحنا في جهة تحقيق، كلمة تانية وهعملك محضر تشويش وإهانة للمحكمة وتتحبسي جنب ابنك!

الست اتكتمت وخافت وقعدت تعيط في صمت. وكيل النيابة بص لكريم وقال بلهجة حاسمة

اسمك وسنك ووظيفتك.. وإنت متهم بالامتناع العمدي عن إغاثة شخص في حالة خطر داهم، والإهمال الجسيم الذي أدى إلى

تدهور حالة المجني عليها ندى أحمد عبد الرحمن وجنينها. تهمتك جناية يا كريم، إيه قولك؟

كريم صوته كان طالع بالعافية

يا فندم أنا جوزها وبحبها، ومكنتش أعرف إن حالتها خطيرة كدة، أنا افتكرت انقباضات عادية.. وأمي كانت عاملة حفلة ومكنش ينفع ماسافرش معاها التجمع..

المحامي رفعت اتدخل وقدم حافظة مستندات لوكيل النيابة وقال بنبرة قانونية صارمة

سيادة الوكيل، معانا تقرير طبي صادر من الدكتورة المتابعة للحالة قبل الحادثة بأسبوع، ومثبت فيه إن المتهم استلم نسخة منه ومكتوب فيه نصًا الحالة معرضة لتسمم حمل وانفصال مشيمة في أي لحظة ويحظر تركها بمفردها. يعني المتهم كان على علم كامل بالخطر، وتعمّد تركها قاصدًا إهمالها. وبناءً عليه، بنطلب توقيع أقصى عقوبة وحبسه على ذمة التحقيقات.

وكيل النيابة قرا الورق، وبص لكريم بنظرة كلها اشمئزاز، وقال

قررنا نحن وكيل النائب العام، حبس المتهم كريم الشناوي أربعة أيام على ذمة التحقيق، ويراعى التجديد في الميعاد القانوني، مع استعجال تقرير الطب الشرعي

النهائي لحالة المجني عليها ندى عبد الرحمن. خده يا عسكري.

سهير صرخت ابني يا فندم! ابني هيضيع!، لكن العسكري سحب كريم برة المكتب وسط صراخ أمه ودموعه اللي مابقتش تجيب ولا تودي.

بعد الظهر، في مستشفى الدمرداش، اللواء أحمد كان قاعد على الكرسي قدام زجاج الحضانة. جوة، كان الطفل الصغير، حته لحمة حمرا، متوصل بأنابيب وخراطيم في أنفه وصدره، وجهاز التنفس الصناعي بيتحرك بانتظام عشان يضخ الأكسجين لرئته الضعيفة. اللواء أحمد حط إيده على الزجاج، ودموعه نزلت وهو بيبص لحفيده هتقوم يا بطل.. هتقوم عشان أمك ملهاش غيرك.. وعشان أنا أعيش وأربيك.

طباعة

الدكتورة دينا فؤاد جت وقفت جنبه، وبصت للطفل وقالت

الحمد لله يا سيادة اللواء، المؤشرات الحيوية للبيبي بدأت تستقر، والرئة بدأت تستجيب للعلاج.. الولد عنيد وزي أمه، بيعافر.

اللواء أحمد لف ليها وسألها بلهفة

وندى؟ ندى عاملة إيه يا دينا؟ الغيبوبة لسه؟

الدكتورة دينا أخدت نفس طويل وقالت بصوت فيه أمل وخوف في نفس الوقت

إحنا شيلنا أجهزة الإنعاش وبدأنا نقلل المهدئات.. ندى حاليًا في مرحلة الإفاقة التدريجية.. المخ سليم والحمد لله النزيف وقف تمامًا.. بس الغريب يا فندم.. إن ندى من ساعة ما بدأت تفوق وهي بتردد اسم واحد بس.. ومش اسم كريم.

اللواء أحمد عقد حواجبه وسألها

اسم مين؟

وفي نفس اللحظة دي، جوة أوضة العناية المركزة، صوابع إيد ندى بدأت تتحرك ببطء فوق الملاية البيضا.. شفايفها الشاحبة بدأت تتحرك وصوتها طلع زي الهمس المخنوق

سيف سيف متسبنيش يا سيف

مر أسبوع كامل على الأحداث. أسبوع كانت جدران مستشفى الدمرداش فيه شاهدة على معركة صامتة وقاسية.

ندى بدأت تسترد وعيها بالكامل، ورغم ضعف جسمها وشحوب وشها، إلا أن نظرة عينيها كانت اتغيرت.. مابقاش فيها الخوف والانكسار اللي عاشت بيهم مع كريم، حل محلهم قوة غريبة، قوة أم حاربت الموت عشان ترجع لابنها.

اللواء أحمد كان قاعد جنب سريرها، ماسك إيديها وبيقرا لها قرآن بصوت واطي وخاشع. ندى فتحت عينيها وبصت لأبوها، وابتسامة ضعيفة اترسمت على شفايفها

بابا.. البيبي عامل إيه؟ شوفته؟

اللواء أحمد باس إيديها وطمنها بصوت حنين

شوفته يا قلب بابا.. بطل وزي أمه، الدكاترة شالوا من عليه خراطيم الأكسجين النهاردة،

ورئته بقت تمام.. نقلوه أوضة الرعاية العادية، ويومين تلاتة كدة ويخرج في حضنك.

دموع الفرحة نزلت من عين ندى، وحاولت تتعدل في سريرها. اللواء أحمد سندها بالراحة، وبعدين سكت شوية، ملامحه وقرت وبص في عينيها مباشرة وقال بنبرة هادية بس فيها فضول الأب

ندى يا بنتي.. وأنتي في أصعب لحظات الإفاقة والغيبوبة، شفايفك مكنتش بتنطق غير اسم واحد.. كنتي بتنادي على سيف.. مين سيف يا ندى؟ وليه الاسم ده بالذات اللي كان حبل النجاة ليكي وأنتي بين الحياة والموت؟

ندى اتنهدت نفس طويل، وبصت للبعيد وكأنها بتسترجع ذكريات قديمة مدفونة، وقالت بصوت هادي

سيف المنشاوي يا بابا.. زميل دراستي في حقوق، وأول قصة حب في حياتي.. الشخص اللي كريم عمل كل المكايد عشان يبعده عني ويقنعني إنه سافر وسابني.. سيف اللي اكتشفت بعد جوازي بكام شهر إن كريم زور رسايل باسمه وهدده بنفوذ عيلته عشان يختفي من طريقي.. سيف كان الراجل اللي بجد يا بابا، اللي كان بيخاف عليا من الهوا، وفي عز وجلوسي على بلاط المطبخ والدم حواليا، م جاش في بالي كريم.. جه في بالي سيف وهو بيقولي أنا ضهرك وأمانك.. حسيت روحي بتنده عليه.

اللواء أحمد سمع الكلام وعينيه وسعت بالدهشة، لكنه ضغط على إيد بنته وقال

كل شيء بأوان يا بنتي.. المهم دلوقتي صحتك، والماضي هنعرف نفتش فيه كويس.. بس الأول، لازم ننضف حياتنا من القذارة اللي كانت فيها.

في نفس الوقت، في قاعة تجديد الحبس بمحكمة مصر الجديدة، كان المشهد يقطع القلب.. بس لأي حد غير اللي يعرف حقيقة كريم.

كريم كان واقف في قفص الاتهام، دقنه نبتت وبقت سودا ومشوهة، هدومه بقت دبلانة وريحتها حجز، ووشه بقى خالي تمامًا من الكبرياء والغطرسة.

على الناحية التانية، كانت الحاجة سهير واقفة برا القفص،

بتعيط وتندب حظها، وتزعق في المحامي رفعت اللي كان واقف بكل برود ووقار.

سهير صرخت في المحامي

يعني إيه التجديد 15 يوم كمان؟ إنتوا مش واخدين ملايين عشان تخرجوا ابني؟ كريم هيموت جوة! كريم مهندس محترم مش بتاع سجون!

المحامي رفعت بصلها ونزل نظارته الطبية وقال بنبرة قانونية حاسمة

يا مدام، ابنك متهم بجناية إهمال طبي جسيم وترك شخص في حالة خطر داهم أدى لشروع في قتل جنين وإصابة مستديمة للأم.. التقرير الطبي الشرعي المبدئي وصل النيابة النهاردة، ومكتوب فيه إن ندى عبد الرحمن جالها تهتك جزئي في جدار الرحم بسبب تأخر التدخل الجراحي والنزيف الحاد، وده ممكن يمنعها من الخلف تاني.. إنتي مستوعبة حجم الكارثة؟ المحكمة مش هترحم ابنك، والقاضي حالًا هيصدر قرار التجديد، والنيابة بتجهز ل إحالته لمحكمة الجنايات محبوسًا!

كريم سمع كلمة محكمة الجنايات وإصابة مستديمة، ومسك في قضبان القفص الحديدية وبدأ يصرخ بهيستريا

لاء! أنا ماليش دعوة! أمي هي السبب! هي اللي قالت لي سيبها دي بتموت في الدلع عشان تبوظ الحفلة! أمي هي اللي كانت بتكرهها وعايزاني أكسر مناخيرها! يا سيادة القاضي أنا بريء.. أمي هي اللي دمرتني!

الحاجة سهير اتصدمت، لفت وشها لابنها وحطت إيدها على صدرها ومش مصدقة إن ابنها، حبيبها اللي ضيعت مراته عشان خاطره، بيبيعها في أول محطة عشان ينقذ نفسه

إنت بتقول إيه يا كريم؟ أنا السبب؟ ده أنا كنت بعمل كل ده عشانك وعشان أحافظ على برستيجك قدام الناس! بتبيع أمك يا كريم؟

العساكر جوة القاعة صرخوا بس يا متهم! هدوء في القاعة!، ودخل الحاجب ونادى محكمة!.

القاضي قعد على منصته، وبص في الأوراق، وبعدين بص لكريم الشناوي بنظرة كلها حزم وقرف، وقال كلمته اللي نزلت زي الصاعقة

بعد الاطلاع على الأوراق، وتقرير الطب الشرعي، وتوافر أركان الجريمة وثبوت علم المتهم بالخطر الداهم.. قررت المحكمة تجديد حبس المتهم كريم الشناوي خمسة عشر يومًا على ذمة التحقيقات، مع سرعة إحالة القضية إلى محكمة الجنايات بدائرة قضايا أمن الدولة والطوارئ. رُفعت الجلسة!

صوت الشاكوش خبط على المنصة، ومع الخبطة دي كريم انهار تمامًا على أرضية القفص، وبدأ يلطم على وشه زي الحريم، والعساكر بيسحبوه لكلبش الترحيلات وهو بيصرخ باسم أمه اللي دارت وشها عنه وخرجت تجري من القاعة وهي بتعيط من قهرتها وصدمتها في ابن عمرها.

بعد يومين، ندى كانت واقفه قدام مراية أوضتها في المستشفى، لابسة هدوم خروج واسعة ومبتسمة.. دخل اللواء أحمد وهو شايل في إيده البيبي، الولد الصغير اللي بقى زي القمر، وعينيه واسعة وذكية. ندى أخدته في حضنها، وشمّت ريحته، ودموعها نزلت من الفرحة.. خلاص، كابوس كريم انتهى، وابنها في في حضنها.

اللواء أحمد بص لندى وقال بابتسامة فيها سر كبير

ندى.. في حد برة مستأذن يدخل يشوفك ويطمن عليكي.. وأنا الصراحة مقتنع إن وجوده مهم ليكوا إنتوا الاتنين دلوقتي.

ندى عقدت حواجبها باستغراب

مين يا بابا؟ الدكتورة دينا؟

اللواء أحمد ما ردش، فتح الباب وشاور للشخص اللي واقف برة..

دخل شاب طويل، أسمر، ملامحه رجولية وجادة، ولابس بدلة أنيقة.. أول ما ندى شافت وشه، قلبها دق بسرعة جنونية، وعينيها وسعت من الصدمة، والموبايل اللي كان في إيدها وقع تاني على الأرض.. بس المرة دي مش من الوجع، المرة دي من المفاجأة.

كان سيف المنشاوي.. واقف قدامها بشحمه ولحمه، وعينيه مليانة دموع ولهفة! ملحوظه مهمه لو عاوزه القصص كامله بدون مقاطعه اعملو متابعه لصفحه رومانى مكرم

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى