قصص وروايات

جوزي كان طيار

وصلنا بالسلامة، وبدأ الركاب ينزلوا. أنا كنت آخر واحدة، مش عارفة أقوم من على الكرسي. لما وقفت أخيراً، وخرجت لممر الطيارة، شفت مريم. كانت صغيرة، يعني في منتصف العشرينات، بيضة، وشعرها أسود طويل، ولابسة فستان أبيض، بسيط بس أنيق. كانت بتضحك مع طارق، وكان هو بيحضنها من وسطها، وبيمسح على شعرها بحنية.

المنظر ده كان الضربة القاضية. الوجع اللي كان في قلبي بقى وجع جسدي، حسيت كأن حد بيسكين في معدتي، وبيفعص قلبي.

طارق ومريم كانوا واقفين عند باب الطيارة، بيشكروا الركاب. لما جيت أمشي من جنبهم، كان قلبي هيفط من مكانه. كنت عايزة أصرخ، كنت عايزة أضربه، كنت عايزة أموت.

بس مسكت نفسي، وحاولت أمشي طبيعي. لما جيت من جنبهم، وقفت ثانية واحدة، وبصيت لطارق في عينه.

عينه كانت بتضحك، وبصته كانت مليانة حب وفخر وهو بيبص لمريم. لما بصلي، مكنش عارف مين أنا. كان بيبصلي كأي راكب تاني.

وفي اللحظة دي، عرفت إن كل حاجة انتهت. إن اتناشر سنة جواز، وحب، ووعود، وذكريات، كلها مبقتش موجودة. إنها كانت وهم، وأنا كنت غبية بما يكفي عشان أصدقها.

خرجت من المطار، ومشيت في الشوارع مش عارفة أنا رايحة فين. كنت حاسة إني تايهة، وحيدة، مكسورة. كنت حاسة إني ميتة، بس جسمي لسه بيتحرك.

بس الي حصل بعد كده خلي طارق يندم ندم عمره

#حكايات_صافي_هاني

النزول من باب الطيارة كان أشبه بالنزول للقبر.. رجلية مكنتش شايلاني، والـ 90 دقيقة بتوع الرحلة عدوا عليا كأنهم 90 سنة من العذاب.

لما خرجت لصالة المطار، الهوا الساقع بتاع التكييف لفح وشي، وفوقني لثواني من الصدمة. الركاب حواليا كانوا بيجروا شنطهم، اللي بيضحك، واللي بيتصل بأهله يقولهم “حمد الله على السلامة أنا وصلت”، وأنا واقفة في وسطهم زي الصنم. تليفوني في إيدي قعد يرن.. بصيت على الشاشة، لقيت أختي بتتصل عشان تطمن عليا وتعرف المفاجأة نجحت ولا لأ. قفلت السكة في وشها.. مش قادرة أنطق، ومش قادرة أستوعب إني هقول لحد إن جوزي، حب عمري، خطب عليا النهاردة قدام المطار كله!

مسحت دمعة سخنة كانت خلاص هتنزل وتفضحني وسط الناس، وبلعت غصّة في حلقي كأنها موس حامي بيجرحني. خرجت برا صالة المطار بخطوات تايهة، ووقفت على الرصيف في عز الليل والميكروباصات والعربيات بتعدي من قدامي، ونور الشوارع زغلل في عيني المليانة دموع.

بصيت على لبسي.. على الفستان اللي اخترته بعناية عشان يفكرنا بأيام خطوبتنا وبداية حبنا. ضحكت فجأة.. ضحكة مكتومة، مريرة، ومليانة وجع.. الضحكة دي مكنتش ضحكة جنان، دي كانت ضحكة القوة اللي بتولد من قاع الكسرة. الوجع كان بيحفر جوايا ويغير كل حتة فيا.. ليلى الضعيفة، المخلصة بزيادة، اللي كانت عايشة عشان طارق وبس.. ماتت جوة كابينة الطيارة دي.

مسكت القماش بتاع الفستان بإيدي وضغطت عليه بكل عزمي، وكأني بتخلص من كل ذرة ضعف أو حنين باقية له جوايا. رفعت راسي، وبصيت للطريق اللي قدامي وعيني كلها تحدي وشرار.. طارق فاكر إنه عمل المفاجأة الأكبر؟ لسه مشافش مفاجأتي أنا.. واللعبة يلا دوب بدأت!

ركبت أول تاكسي قابلني برة المطار، وقبل حتى ما السواق يسألني “على فين يا فندم؟”، كنت مخلصة نيتي ومقررة طريقي. مروحتش على بيتنا.. بيتنا اللي كل ركن فيه بيفكرني بكدبه ووعوده المزيفة. روحت على شقة ليلى القديمة، شقة أبويا الله يرحمه اللي مقفولة بقالها سنين. المكان الوحيد اللي هعرف أستخبى فيه من نظرات الشفقة ومن أسئلة الناس.

طول السكة وأنا باصة من شباك التاكسي على شوارع القاهرة والبيوت المنورة، وبسأل نفسي: “أنا قصرت في إيه؟”. اتناشر سنة كنت له الزوجة والحبيبة والظهر، اتناشر سنة بستناه يرجع من كل رحلة وقلقي عليه بياكل في قلبي، وفي الآخر ينزلني في محطة تانية خالص ويبدلني في ثانية؟!

أول ما دخلت الشقة، ريحة التراب والذكريات لفت المكان. قفلت الباب ورايا بالمفتاح والترباس، وسندت ضهري عليه.. وهناك، في الضلمة، انهرت. قعدت على الأرض وبكيت بكا عمري ما بكيته قبل كده، بكا مكتوم وخوف وكسرة نفس. طلعت كل الوجع اللي حبسته في المطار وفي التاكسي، لحد ما حسيت إن حنجرتي اتجرحت وصوتي اختفى تماماً.

ساعتين كاملين وأنا على الحال ده، لحد ما النور بدأ يشقشق من الشباك.

قمت، غسلت وشي بمية ساقعة، وبصيت لنفسي في المراية.. عيني كانت حمرا ومنفوخة، بس النظرة اللي فيها كانت غريبة.. مكنش فيها عياط تاني. مفيش دموع هتنزل على واحد باع العمر كله في ليلة.

في اللحظة دي، سمعت صوت تكة مفتاح الباب.. الباب بيفتح!

قلبي سقط في رجلي.. أنا قفلت بالترباس، ومفيش مخلوق في الدنيا معاه نسخة من المفتاح ده غيري أنا.. وطارق!

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى