منوعات

جوزي وامي فضلو 27 سنه

جوزي وأمي فضلوا 27 سنة بالكاد طايقين بعض.

وبعدين في جنازتها سمعته بيهمس جنب النعش:

«حافظت على سرنا. محدش عرف أي حاجة. والسر هيفضل مدفون تحت شجرة القيقب الحمرا للأبد.»

الجملة دي خلتني أجري على جنينة البيت بتاعها بالجاروف.

واللي لقيته هناك خلاني أتصل بالشرطة.

جوزي وأمي ما ارتاحوش لبعض من أول ما اتقابلوا.

لمدة 3 عقود تقريبًا، كل عزومة عيد كان نفس السيناريو.

ابتسامات باهتة.

ردود قصيرة.

وسكوت طويل.

وفي الآخر يا أمي يا جوزي فجأة يفتكروا إن عندهم مشوار.

أمي عمرها ما قالتله «يا ابني».

ولا مرة واحدة.

وجوزي مرة قالي إن الشغل في صباح العيد أحسن من قضاء عيد تاني في بيتها.

عمري ما فهمت إيه سبب الخلاف الكبير ده.

كل ما أسأل كانوا يردوا بنفس الكلام:

«إحنا مختلفين جدًا.»

«عمرنا ما فهمنا بعض.»

«إحنا من عالمين مختلفين.»

سنين وأنا مصدقة.

أمي كانت عاملة مشروع ناجح ومعتمدة على نفسها.

وجوزي اتربى من غير فلوس وكان فخور بكل حاجة عملها بنفسه.

فكرت إنها اختلافات في الشخصيات وكبرياء وخلاص.

بس أوقات كان بيحصل حاجات تخليني أشك إن في حاجة أكبر.

مرة بعد نقاش قوي سمعت أمي بتقوله جملة فضلت معايا سنين:

«إنت عارف كويس عملت إيه.»

جوزي سكت.

لا اتعصب ولا دافع.

سكت خالص.

بعدها واجهتهم هما الاتنين:

«تقصدي إيه؟»

ولا واحد فيهم رد.

أمي غيرت الموضوع.

وجوزي قال:

«مفيش حاجة.»

وفي الآخر بطلت أسأل.

قلت لنفسي بعد كل السنين دي أكيد الموضوع مبقاش يفرق.

وبعدين أمي توفت وهي عندها 78 سنة.

في العزا فجأة لقيت جوزي مش موجود.

افتكرته طلع ياخد هوا، بس بعد كام دقيقة رحت أدور عليه.

لقيته واقف جنب الأوضة اللي فيها النعش.

الباب كان موارب.

كنت هدخل لما سمعته بيتكلم:

«حافظت على سرنا.»

اتجمدت مكاني.

حط إيده على طرف النعش.

«محدش عرف حاجة.»

قشعرت.

وبعدين وطى صوته أكتر:

«والسر هيفضل مدفون تحت شجرة القيقب الحمرا في جنينتك للأبد.»

بعدت عن الباب قبل ما يشوفني.

قلبي كان بيدق بسرعة.

شجرة القيقب الحمرا بتاعت أمي.

اللي واقفة ورا البيت اللي كبرت فيه.

هي زرعتها من 27 سنة.

27 سنة.

نفس المدة اللي هما مختلفين فيها.

وفجأة كل الحاجات الغريبة بتاعت الشجرة دي رجعتلي.

أمي كانت بتحميها بشكل مبالغ فيه.

ممنوع الجنايني يقرب من الجذور.

لما الجذور كسرت الرصيف، صلحت الخرسانة بدل ما تشيل الشجرة.

من سنين بنتي كانت بتحفر جنب الجذور بالجاروف البلاستيك بتاعها.

أمي زعقت جامد لدرجة إن البنت عيطت.

وقتها افتكرتها حنينة وخلاص.

دلوقتي مش متأكدة.

بالليل بعد ما كل القرايب مشيوا رجعت بيتها.

المكان كان ساكت بطريقة غريبة.

نور البلكونة ضارب على الجنينة.

والشجرة واقفة هناك.

كبيرة.

ضلمة.

ساكتة.

فضلت باصة ليها دقايق قبل ما أدخل الجراج وأجيب الجاروف.

قلت لنفسي إن بتهبل.

وقلت لنفسي إن الحزن مخليني أتخيل.

ومع ذلك بدأت أحفر.

في الأول مفيش حاجة غريبة.

جذور.

طين مبلول.

زلط صغير.

جذور تاني.

بعد حوالي 20 دقيقة، الخوف اتحول لإحراج.

يمكن جوزي قصده مجازي.

يمكن «مدفون» يعني «منسي».

يمكن فهمته غلط.

وبعدين الجاروف خبط في حاجة ناشفة.

كلانج.

معدن.

وقفت.

فضلت باصة للأرض كام ثانية.

وبعدين نزلت على ركبي وبدأت أشيل الطين بإيدي.

على عمق شبرين تقريبًا، تحت شبكة جذور قديمة، كان في علبة معدن.

مصدية من الأطراف وملفوفة بكذا طبقة بلاستيك قديم.

إيدي بدأت تترعش.

طلعتها من الحفرة وخدتها على البلكونة.

فضلت قاعدة باصة ليها فترة.

كل اللي جوزي وأمي مخبيينه عني بقاله 27 سنة كان ممكن يكون جواها.

وفي الآخر فتحت الغطا.

وياريتني ما فتحت.

جوا كان في كذا حاجة واضح إنها من نفس وقت ما أمي زرعت الشجرة.

ورق قديم.

مستندات.

سجلات المفروض ما تتدفنش تحت شجرة.

وبعدين شفت حاجة خلتني أقف.

اسم جوزي كان مكتوب عليها.

قريتها مرة.

وبعدين تاني.

إيدي كانت بتترعش لدرجة كنت هوقع الورقة.

وفجأة كل سنين الخلاف بين أمي وجوزي مبقتش مجرد اختلاف في الشخصيات.

أمي مكانتش بس بتختلف معاه.

هي كانت عارفة عنه حاجة.

حاجة كبيرة لدرجة خبتها في السر لمدة 3 عقود.

مسكت تليفوني.

وقبل ما ألحق أفكر اتصلت بالشرطة.

إيدي كانت بتترعش وأنا فاتحة العلبة المعدنية.

الشرطة قالتلي:

«ماتلمسيش حاجة.»

بس أنا كنت شفت خلاص.

الورق كان معظمه عقود وتحويلات مالية قديمة.

وتقرير من المستشفى.

وفيه صورة قديمة مرتبطة بالحادثة، لكن تفاصيلها كانت غير واضحة.

بس الورقة اللي وقفت قلبي كان فيها اسم جوزي.

«إقرار مسؤولية» مكتوب فيه إنه كان موجودًا وقت الحادث.

وتاريخه نفس يوم الحادثة اللي أمي عمرها ما رضيت تتكلم عنها.

من 27 سنة أخو أمي توفى في حادثة عربية.

والعربية اتضررت بشكل كبير.

والشرطة وقتها قالت:

«مفيش شهود ومفيش دليل واضح.»

أمي وقتها قالتلي:

«السواق هرب.»

وقعدت 27 سنة تزرع الشجرة وتسقيها كأنها بتدفن حزنها فيها.

دلوقتي فهمت.

جوزي هو اللي كان موجود وقت الحادث.

صوت عربية شرطة جه.

لقيت ظابطين واقفين قدامي.

«مدام؟ حد اتصل.»

وريتهم العلبة.

واحد فيهم فتح الورق وبصلي باهتمام:

«دي مستندات مهمة… وفيها شبهة تزوير كمان.»

سألته:

«تزوير؟»

قال:

«أيوه. واضح إن فيه مستندات اتغيرت بياناتها، واسم السائق اتبدل في بعض الأوراق.»

قعدت على الأرض.

27 سنة وأمي عارفة.

وعشان كده كانت بتختلف معاه بس ساكتة.

عشان «السر» يفضل مدفون.

جوزي وصل بعدها بعشر دقايق.

أول ما شاف الشرطة والعلبة، وشه اتغير.

قال:

«إنتي… إنتي عملتي إيه؟»

قلت:

«اللي المفروض كان يتعمل من 27 سنة.»

حاول يتكلم:

«أنا كنت صغير… خفت… هي قالتلي لو اتكلمت هتدمر مستقبلي.»

قلت:

«فاخترت تدفن الحقيقة تحت الشجرة؟»

سكت.

الشرطة بدأت تتعامل مع الموضوع بشكل رسمي.

وأنا واقفة في الجنينة وباصة للشجرة.

الشجرة اللي كبرت مع سر كبير.

—

بعد شهر.

التحقيق اتفتح من جديد.

وبسبب المستندات اللي كانت متخزنة، ظهر إن في شاهد وقتها.

واحد شاف جوزي قريب من مكان الحادثة.

وأمي كانت عارفة جزء من الحقيقة وفضلت ساكتة.

وكانت بتضغط عليه إنه يفضل بعيد عن العائلة وما يتكلمش عن اللي حصل.

عشان كده كل عيد كان صعب.

يوم النطق بالحكم، دخلت المحكمة وشفته بصلي وقال:

«أنا آسف.»

مردتش.

بعدها روحت البيت.

أول حاجة عملتها…

جبت حد يشيل شجرة القيقب الحمرا.

مش عشان أكره أمي.

عشان أقفل صفحة السر دي بشكل نهائي.

وازرع مكانها شجرة جديدة.

شلت الشجرة.

الجذور كانت نازلة لتحت بشكل عميق، كأنها ماسكة في الأرض من سنين.

وتحتها لقيت كيس بلاستيك تاني صغير.

فيه رسالة بخط أمي:

«لو بتقري دي يبقى عرفتي.

أنا سكت 27 سنة عشان خفت عليكي.

خفت يحصل له مشاكل وتتعبي بسبب الموضوع.

بس الكدب بيكبر زي الشجر.

وأنا تعبت من السقي.

سامحيني.»

قعدت في الجنينة وعيطت لحد الفجر.

—

بعدها بـ3 شهور.

جوزي اتحكم عليه بسبب إخفاء معلومات مرتبطة بالحادث وتغيير بعض المستندات.

والقاضي أشار إلى مسؤولية أمي عن التغطية، لكن وفاتها أنهت أي إجراء قانوني يتعلق بها.

أنا؟

طلبت الطلاق.

المحامي سألني:

«في سبب؟»

قلتله:

«فقدان الثقة.»

بصراحة مكنتش قادرة أبص في وشه تاني من غير ما أفتكر كل الأسرار اللي عاش بيها.

أهله اتصلوا يلوموني:

«بوظتي مستقبله.»

رديت:

«هو اللي دفن الحقيقة تحت الشجرة من 27 سنة.»

—

بعد 6 شهور.

بعت البيت.

مقدرتش أعيش في مكان كل ركن فيه بيفكرني بالسر.

الجنينة بقت فاضية مكان الشجرة.

قبل ما أمشي زرعت شتلة صغيرة مكانها.

شجرة فاكهة.

السمسار قالي:

«دي هتطرح بعد سنتين.»

قلتله:

«مستنية.»

—

دلوقتي.

بقالي سنة عايشة لوحدي.

أول عيد عدى من غير خناق.

وأول عيد عدى من غير تمثيل.

أصحابي سألوني:

«ندمانة إنك بلغتي؟»

بقولهم:

«ندمانة إنها اتأخرت 27 سنة.»

أوقات بفتكر كلام أمي:

«حافظت على سرنا.»

بس السر كان بياكلنا كلنا.

هي من الخوف.

وهو من الندم.

وأنا من الجهل.

الشتلة اللي زرعتها كبرت شوية.

وكل ما أسقيها بقول لنفسي:

«دي بقى هتطلع نضيفة… من غير ولا سر مدفون تحتها.»

السر لما نسيبه يكبر، ممكن يمتد لجوانب حياتنا كلها.

وأحيانًا أفضل قرار هو إننا نواجه الحقيقة من جذورها…

حتى لو كان الاعتراف بيها مؤلم. 💛

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى