
بقالي ٦ شهور متجوزة وجوزي لسه بيتغدى كل يوم عند أمه عشان ميقدرش يعيش من غير أكلها لحد ما بطلت أستناه، ومكالمة واحدة من حماتي خلتني أفهم إن المشكلة عمرها ما كانت أكل أصلاً!
لما اتجوزت طارق كنت عارفة إنه متعلق بأمه جداً، بس اللي مكنتش أعرفه إني هضطر أحارب عشان ألاقي لنفسي مكان في روتين يومي مفيش فيه مطرح لحد تاني.
كنا ساكنين في مدينة نصر، وطنط نادية حماتي في مصر الجديدة، على بعد ربع ساعة مننا بالظبط.
كل يوم كان نفس الفيلم بيتعاد؛ تيجي الساعة اتنين الضهر، طارق يسيب شغله ويطلع على هناك، وطنط نادية مجهزة السفرة شوربة، صواني، رز، سلطات، وساعات تحلية كمان.
أنا كمان كان شغلي قريب من البيت.
في الأول كنت بلقط أي حاجة خفيفة وأرجع الشغل، بعدين قولت لنفسي لازم نبدأ نعمل لنفسنا روتين وعادات تخص بيتنا إحنا…حصري على صفحة روايات و اقتباسات…
يوم أربع عملت صينية فراخ بالبطاطس في الفرن وبعتله
النهاردة هنتغدى سوا في البيت.
رد بعد عشر دقايق
ماما عاملة فتة ولحمة محمرة.. أنا عندها خلاص.
شيلت الأكل وسكتت.
أسبوع تاني قولتله من الصبح إني مجهزة سمك.
رد ببرود
متعمليش حسابي، ماما عاملة بامية باللحمة الضاني.
الموضوع مكنش حتى خناقة، بالنسبة لطارق ده هو النظام الطبيعي للدنيا!
الانفجار حصل في أول يوم إجازة يجمعنا بعد شهور؛ كنت جايبة طلبات عشان نطبخ سوا ونتفرج على فيلم، والساعة حداشر الصبح تليفونه رن.
طنط نادية
عملتلك حلة محشي مشكل، متتأخرش!
طارق قفل التليفون وبصلي
يلا بينا؟
أنا هتغدى هنا ومش خارجة.
خلاص، هروح آكل وأرجعلك هوا.
رجع بعد تلات ساعات كاملة.
ليلتها قولتلهاله على بلاطة
طارق، أنا مش هقضي حياتي مستنياك تخلص غدا في بيت تاني كل يوم.
ضحك باستهزاء
يا بنتي أنتي بتعملي من موضوع الأكل أزمة ليه؟
أنا مش بتكلم عن الأكل أصلاً!
طب المفروض تشكري الظروف، على الأقل معندكيش هم طبيخ كل يوم في نص النهار.
ساعتها فهمت إن الكلام مفيش منه فايدة، فبطلت أستناه.
بقيت أتغدى مع زمايلي في الشغل، وساعات أنزل مطعم قريب، ويوم الجمعة أعمل الأكلة اللي بمزاجي أنا وبس. والغريب إن طارق هو اللي بدأ يتضايق
بقالك فترة مبقتيش موجودة لما برجع الضهر!
عشان عملت لنفسي مواعيد تانية.
ولو حبيت أتغدى معاكي في يوم؟
ابقى عرفني قبله.
بعدها بأسبوعين، حصلت حاجة قلبت الموازين تماماً.
تليفوني رن.. كانت طنط نادية، وده مش وقت اتصالاتها خالص. حكايات_مني_السيد
ياسمين، هو طارق معاكي؟
لأ يا طنط.
سكتت ثواني، فسألتها
هو مجاش يتغدى عند حضرتك؟
لأ، النهاردة مجاش.
حسيت بنغزة في قلبي
من امتى يا طنط؟
حماتي اترددت وقالت
بقاله كذا يوم مبيجيش.
اتسمرت مكاني.. طارق كان بيخرج من شغله كل يوم في نفس المعاد ويرجع البيت في نفس التوقيت، ولما أسأله أخبار الغدا إيه؟ يرد كان
تحفة، أمي عملت أكل كتير أوي كالعادة.
طنط، هو طارق اتغدى عندك آخر مرة امتى بالظبط؟
التلات اللي فات يا بنتي.
والنهاردة كان الاتنين.. يعني ست أيام كاملين!
بالليل رجع البيت كعادته، سألته بهدوء
مامتك كانت طابخة إيه النهاردة؟
رد من غير ما يرمش له جفن
شوربة عدس.
وكانت كويسة؟
أه، بس العدس كان حادق سنة.
فضلت باصة له ومصدومة؛ بيكدب بمنتهى البجاحة والسهولة!
تاني يوم الصبح، وأنا بفرز هدومه، لقيت ورقة مكرمشة في جيب بنطلونه.. وصل باركينج في جراج مول في التجمع، بعيد تماماً عن مصر الجديدة وعن شغله.
وقت الدخول 1247 الضهر.
وقت الخروج 218.
دورت أكتر، لقيت خمس وصولات تانية لنفس المكان، لكل يوم كان المفروض فيه بيتغدى عند أمه! صورتهم بالموبايل ورجعتهم مكانهم.
الساعة اتنين الضهر، مسك مفاتيحه كالعادة
أنا نازل لماما بقى.
بألف هنا يا حبيبي.
استنيته لحد ما نزل وقفل الباب، وطلبت طنط نادية فوراً
طنط، طابخة إيه النهاردة؟
ولا حاجة يا حبيبتي، أنا مسافرة إسكندرية عند أختي من امبارح بالليل.
وقفت ورا الشباك أراقب عربيته وهي بتلف من أول الشارع وتختفي.. ولأول مرة من ست شهور، مكنتش زعلانة إنه بيفضل أكل أمه عليا، أنا كنت مرعوبة لأني اكتشفت إنه واخد أمه مجرد غطاء لكدبة تانية خالص، ولسه مش عارفة مستخبية وراها قفلت الشباك، وبعدها فضلت واقفة مكاني كام دقيقة، بحاول أستوعب اللي حصل.
طارق خرج من البيت الساعة اتنين بالظبط، وقال إنه رايح عند أمه… مع إن أمه مسافرة من امبارح!
فتحت موبايلي وبصيت على صور إيصالات الجراج اللي لقيتها في جيبه. نفس المكان، نفس المواعيد تقريبًا، وست أيام متتالية.
بس السؤال اللي كان بيدور في دماغي
هو كان بيروح فين كل يوم من 1247 ل؟
والأغرب من كده… ليه اختار يقول إن أمه هي اللي بتأكله؟
قررت إني مش هواجهه دلوقتي.
لأول مرة من يوم جوازنا، قلت لنفسي إن السكوت ممكن يجيب إجابات أكتر من الخناق.
فتحت تطبيق الخرائط على موبايلي، وبدأت أدور على المكان اللي الإيصالات طالعة منه.
كان مول كبير في التجمع، وفي الدور التاني منه مكاتب وشركات ومراكز كتير.
قربت الصورة من اسم الجراج، ولاحظت رقم مكتوب على الإيصال.
رقم مكان الركنة.
فجأة افتكرت حاجة غريبة حصلت من كام أسبوع.
طارق يومها رجع البيت متأخر شوية، ولما سألته كان فين، قال لي
العربية كانت فيها مشكلة، وقفت عند مكان أركن فيه لحد ما الزحمة تهدى.
وقتها مصدقته.
دلوقتي بقيت مش واثقة في أي كلمة بيقولها.
الساعة كانت قربت من تلاتة، ولسه مفيش أي رسالة منه.
بعدها بدقايق، وصلني إشعار من البنك.
عملية دفع بالبطاقة في التجمع.
المبلغ كان صغير.
دخلت على تفاصيل العملية…
وكان اسم المكان مطعم موجود جوه نفس المول.
قلبي دق بسرعة.
يعني طارق فعلًا كان هناك.
بس لو كان بيتغدى، ليه كل
مرة بيكدب ويقول إنه عند أمه؟
وليه الست أيام دول تحديدًا؟
قررت أستنى لحد ما يرجع.
الساعة خمسة إلا ربع، سمعت مفتاحه في الباب.
دخل طارق وهو مبتسم، وحط المفاتيح على الترابيزة.
عاملة إيه يا ياسمين؟
بصيت له بهدوء وقلت
الحمد لله.
خلع الجزمة وقعد.
ماما كانت عاملة أكل حلو النهاردة.
سكت ثانيتين، وبعدين سألته
أكلت إيه؟
قال بمنتهى الثقة
مكرونة بالبشاميل.
بصيت له في عينه.
غريبة.
اتوتر للحظة.
غريبة إزاي؟
ابتسمت وقلت
أصل طنط نادية مسافرة إسكندرية.
وشه اتغير.
لكن قبل ما ينطق، تليفونه رن.
بص للشاشة…
وفجأة قام من مكانه بسرعة، وراح ناحية البلكونة عشان يرد.
أنا ما سمعتش أول الكلام.
لكن بعد ثواني، صوته ارتفع وهو بيقول
أنا قلتلك متتصلش بيا وأنا في البيت!
سكت.
وبعدين قال بصوت أوطى
بكرة في نفس المعاد… ومحدش لازم يعرف.
قفل المكالمة ورجع.
وقف قدامي، وحاول يبتسم.
دي… مكالمة شغل.




