
— يبقى مالهاش لازمة أجي طالما مش هيقدر يساعدني بحاجة.
قفلت السكة في وشه من غير ما أرد.
أمي بقى، كانت جنبه لآخر لحظة. تضحكه، تظبط المخدة ورا ضهره، تبخ مية على شفايفه، وتعمل نفسها مش خايفة. مرة واحدة بس شفتها بتعيط لوحدها في المطبخ وهي ماسكة كوباية الشاي بإيديها الاتنين عشان ما ترتعش.
بابا اتوفى الفجر.
إسلام وشيماء ما جوش العزا.. ولا جاو المدافن.
وفِي الوقت اللي كنا بنودع فيه بابا، كانوا هما بيفتحوا الخزنة.
— شيماء، لو الفلوس دي ما رجعتش أنا هبلغ الشرطة.
شيماء ضحكت تاني:
— اعملي اللي يعجبك، أمك عارفة أبكي كويس، وكان أكيد هيديهاملنا لو طلبناها.
وفجأة أمي، اللي كانت ساكتة جنبي، قالت جملة جمدت الدم في عروقي:
— قولي لها شكراً.
بصلتها بذهول:
— إيه؟
أمي مدّت إيدها:
— هاتي التليفون.
ديتهولها بالكتير من الصدمة.
— شيماء، شكراً إنكوا أخدتوا الفلوس.. بجد، انتوا عملتوا فينا جميل.
شيماء اتفاجئت زيي تماماً:
— أا.. العفو.
— انبسطوا بيها على قد ما تقدروا.
أمي قفلت السكة.
أنا انفجرت فيها:
— يا أمي دول سرقوا شقا بابا!
قعدت على الكرسي، فتحت شنطتها السودا وطلعت ظرف أبيض أنا ماكنتش شفته قبل كده.
— لا يا بنتي.. هما بس اختاروا هيرثوا إيه من أباكي.
مدت إيدها جوة الظرف وطلعت ورقتين مختومين من الشهر العقاري وحطتهم قدامي.
وساعتها بس فهمت.. ليه أمي في أصعب يوم في حياتنا، قالتلهم شكراً.
الليلة اللي قبل ما بابا يدخل المستشفى لآخر مرة، كان طلب محامية صاحبة العيلة. مش عشان يوزع ثروة، لا، عشان كان مرعوب من اللخبطة والديون اللي سيبها وراه.
أمي وضحت لي:
— أباكي رجع ساعد واحد تاني.. ضمن قرض شركتين لواحد صاحبه قديم بـ 2 مليون و 300 ألف جنيه. والصاحب ده فص ملح وذاب وما دفعش.
بطني اتعصرت من الخضة:
— يعني الدين ده علينا إحنا؟
— الدين مرتب بتركة بابا وبالأملاك اللي سابها. البيت القديم، والمحل في العتبة، والفلوس اللي كانت في الخزنة، كل ده كان لازم يتراجع ويلتغى قانوناً قبل ما حد يمد إيده على قرش.
أمي كانت استشارت المحامية خلاص. وأنا وهي قررنا نعمل “تنازل ورسّمي عن الورث” في المحكمة، عشان ما ندخلش نفسنا في مخاطرة وأملاك محملة بديون ومشاكل. أنا عندي شغلي في عيادة الأسنان، وأمي عندها معاشها الصغير، غير إن كان فيه وثيقة تأمين على الحياة بابا كان عاملها من سنين ولحساب أمي هي بس.
— وإسلام؟
— إسلام ما ردش على ولا مكالمة من المحامية.
بعد الوفاة، اتبعتت له رسائل وإنذارات رسمية عشان يحضر، ما عبرش حد. بس هو وشيماء لقوا وقت يدخلوا البيت، ويفتحوا الخزنة بالمفتاح اللي كان مع إسلام من زمان، ويطيروا بـ 850 ألف جنيه من فلوس التركة!
أمي قالتلي بابتسامة:
— ده في القانون بيعتبر “قبول صريح للورث”.. حتى لو حب يتنازل بعدين، هيتسأل قدام القاضي أخد الفلوس دي بصفتة إيه وصرفها في إيه وهي ملك التركة.
سكتت خالص.. ولأول مرة من يوم وفاة بابا، شفت أمي بتبتسم من قلبها:
— أخوكي طول عمره يقول عايز من ريحة أبوه وورثه.. المرة دي أخد الورث من غير ما يسأل جواه إيه!
مرت الشهور وما كلمناش إسلام. المحامية تولت كل الإجراءات والإعلان عن طريق المحكمة. اتعمل حصر للتركة: حسابات المحل، المحل نفسه، البيت القديم، والديون اللي عليه، والقرض المضمون.
إسلام ما ظهرش غير لما وصله استدعاء رسمي ورسوم قضائية!
بعد 6 شهور من الدفنة، خبط على باب البيت بقوة كان هيخلعه.
كان هو.. وشيماء وراه وشها أصفر زي الليمونة.
إسلام رمى الورق على الترابيزة بغل:
— إيه القرف ده؟! إيه اللي جالي ده؟!
أمي مسكت الورق ببرود:
— ده ملف حصر التركة والديون.
— دول بيطالبوني بفلوس! بمليونات!
— بيطالبوك ترد الـ 850 ألف اللي سرقتهم، وتدفع بقية ديون التركة بصفتك الوارث الوحيد اللي استلم واتصرف في أموال المتوفي.
إسلام بصلّي بغضب:
— انتي كنتي عارفة!
— كنت عارفة إن فيه إجراءات ورث، وانت كمان كنت هتعرف لو كنت كلف خاطرك وجيت العزا أو رديت على مكالمة واحدة!
شيماء اتدخلت بصوت مترعش:
— إحنا ما استلمناش ورث! إحنا أخدنا الفلوس اللي كانت مركونة في الخزنة بس!
أمي بصت لها بقرف:
— دي فلوس راجل ميت، وأخدتوها بعد ما عرفتوا إنه مات واستعملتوها لحسابكوا الشخصي.
شيماء عضت على شفايفها:
— خلاص، هنرجع الـ 850 ألف والموضوع ينتهي!
أمي هزت رأسها بالرفض:
— لأ.. دي تصليح لغلطة واحدة بس، لكن الدين الكبيييير لسة باسم اللي قبل الورث.
إسلام بدأ يروح ويجي في الصالة بتوتر:
— خلاص نبيع المحل والبيت القديم ونخلص!
— هيتباعوا فعلاً لو المحكمة طلبت..
— تمام! ونسدد بيهم.
أمي اتنهدت:
— يا ريت كان ينفع..
وطلعت ورقة تانية:
المحل كان عليه رهن قديم، والبيت عليه ضرائب عقارية ومحتاج ترميم، وبعد خصم الديون والمستحقات، التركة صافي قيمتها صفر.. بل بالسالب!
شيماء برقت عينها:
— يعني إيه؟! إحنا ورثنا إيه كده؟!
رديت عليها:
— ورثت ديون ومشاكل وقضايا.
إسلام خبط على الترابيزة بزعيق:
— انتو كمان بناته ومراته! ادفعوا نصيبكوا!
أمي ردت بنبرة هادية جداً:
— أنا عملت إعلام إقرار بالرفض والتنازل عن الورث رسمياً في المحكمة.. وأختك عملت زيي.. عملنا ده قبل ما نلمس جنيه واحد من التركة.
— ما حدش قاللي ليه؟!
— المحامية أعلنتك على عنوانك، وأنا بعتلك، وانت ما رديتش.
إسلام بصلّي وعينيه ماليانة دموع:
— أنا أخوكي يا شيماء.. هتسيبيني أغرق عشان غلطة؟!
حسيت بوجع قديم في قلبي، بس ما حسيتش بأي شفقة:
— بابا قعد 3 شهور بيموت في السرير، وانت أول حاجة سألت عليها كان معاه فلوس ولا لأ قبل ما تفكر تجيله!
إسلام نزل رأسه في الأرض..
هنا شيماء غيرت نبرتها ولعنت فجأة:
— طب ما تتحل ودي في العيلة! انتو معاكوا فلوس وثيقة التأمين على الحياة!
أمي ضحكت من غير صوت:
— وثيقة التأمين ليها مستفيد مباشر باسمي أنا بس.. مش داخلة جوة التركة ولا من حق أي دائن يلمسها.
دي كانت أول ضربة قاضية.. بس اللي جاي كان الأتقل.
طلعت موبايلي، فتحت تسجيل، ودست تشغيل..
صوت شيماء ملأ الصالة:
(حمايا الله يرحمه كان ينفعنا وهو حي، ودلوقتي لازم نشوف مين هيساعدنا)
شيماء وشها جاب ألوان واختفى الدم منه:
— انتي سجلتي المكالمة دي؟!
— كلمة بكلمة.
— امسحيها فوراً!
— مش همسح حاجة، دي هتتقدم للمحكمة عشان نثبت إنكوا أخدتوا الفلوس وانتو عارفين بوفاة بابا وتاريخ أخذها.
إسلام قرب مني بغضب:
— امسحيها بقولك!
رجعت خطوة لورا وبصيت لأمي..
أمي فتحت باب الشقة على وسعه وقالت بإيد مشيرة للشارع:
— يلا يا إسلام.. اختار تطلع على رجلك، ولا تطلع في بوكس الشرطة؟
شيماء صرخت فيا بعصبية وقالتلي امسحي التسجيل:
— الصوت ده مش بيثبت أي حاجة!
رديت عليها بثبات:
— بيثبت إنكوا عارفين الفلوس دي جاية منين، وأخدتوها والبيت فاضي عشان الجنازة، وصرفتوها كمان!
أمي كملت فوق كلامي:
— والكاميرا بتاعة الجار قدام البيت مصوراكم وانتو داخلين وطالعين.
دي كانت الضربة القاضية التانية!
إسلام لف لمراته بسرعة بذهول:
— كاميرا إيه؟!
الجار اللي قدامنا كان لسة مركب كاميرات مراقبة حديثة بعد كم سرقة حصلوا في الشارع. التسجيل كان واضح فيه عربية إسلام وهي راكنة قدام البيت وقت الدفنة، وهما الاثنين داخلين وطالعين بشنطة وكرتونة.
أمي بصت لهم وقالت بجدية:
— قدامكم 48 ساعة تحضروا مع المحامية وتشوفوا هترجعوا الـ 850 ألف جنيه دول إزاي.. يا إما التسجيلات والكاميرات هتوصل للنيابة فوراً.
شيماء بدأت تعيط بانهيار:
— إحنا معندناش 850 ألف جنيه!
رديت عليها:
— من 6 شهور قولتوا إنكوا سددتوا بيهم ديونكم!
— أيوا بس لسة علينا ديون تانية!
إسلام بصلها بصدمة:
— كام يعني؟!
شيماء تفادت نظراته وهي بترتعش:
— مش عارفة..
— بقولك كام؟!
— قرب الـ مليون و400 ألف جنيه..
إسلام اتسمر مكانه.. كان فاكر إن فلوس بابا قفلت كل ديونهم، لكن شيماء كانت مخبية عليه كروت ائتمان وقروض تانية كتير.
زمجر فيها بصوت واطي:
— انتي قولتلي إنهم 500 ألف بس!
— كنت فاكرة هعرف أتصرف وأسدهم..
— هترديهم منين؟!
— من الفلوس اللي كان بابايا هيفضل يديها لك!
السكوت في الصالة كان مرعب.. ولأول مرة أشوف أخويا بيستوعب هو كان ابن عامل إزاي.
أمي بصت له وقالت بلهجة حاسمة:
— اسمعني كويس يا إسلام.. جوزي الله يرحمه كان طيب وكريم زيادة عن اللزوم، بس ماكانش مكنة ATM! أنا فوت كتير عشان كنت بحبه وهو كان بيحب يساعد، بس انتو نسيتوا يعني إيه طلب مساعدة.. انتو اتعودتم تطالبوا وتستغلوا.
إسلام غطى وشه بإيديه وهو بيعيط:
— يا أمي ساعديني المرة دي بس.. أخر مرة.
أمي أخدت نفس طويل قبل ما ترد:
— أنا ساعدتك 20 سنة كاملين.
— والله هرد لك كل جنيه!
— نفس الجملة دي كنت بتقولها لأبوك.
بدأ يبكي زي الأطفال:
— مش عايز أخسر كل حاجة..
أمي بصت له بحزن وجعني أكتر من أي زعيق:
— أبوك هو اللي خسر كل حاجة.. خسر صحته، وعمره، وفرصة إنك تقعد جنبه وتودعه وهو بيموت.. ومع ذلك، وهو على سرير الموت ما بطلش يسأل عليك.
إسلام ما قدرش يرد بكلام.
في الآخر، وافقوا يقعدوا مع المحامية. وعشان نتفادى البلاغ والنيابة، مضى إسلام على عقد تسوية واعتراف بدين بـ 850 ألف جنيه، وسلم عربيتة كجزء من سداد المبلغ، والباقي اتفقوا يتسدد على أقساط شهرية.
المحل والبيت القديم اتباعوا، وبعد سداد الديون والضرائب والمستحقات، ما فضلتش أي ثروة ولا مليم زيادة.
بس ظهرت حاجة محدش فينا كان متوقعها..
في كرتونة ورق قديمة من المحل، لقينا جواب بابا كان كاتبه بيده أول أسبوع له في المستشفى.. كان جواب وداع، وأمي قررت تقرأه في أخر قعدة مع المحامية.
“لو ولادي في يوم اختلفوا على اللي سبته، عايزهم يفتكروا إن أحسن حاجة ملكتها في حياتي ما كانتش جوة خزنة حديد.”
إسلام غمض عينيه بوجع.. وأمي كملت قراءة:
“ابني إسلام.. أنا سلفته فلوس أكتر من اللي كان المفروض أديهاله، عشان كان دايماً عندي أمل إن في يوم هيقف على حيله وييجي يقعد معايا وياكل معايا من غير ما يكون عايز مني حاجة.. وبنتي، بطلب منها تسامحني إني خليتها تشيل المسؤولية وتكبر قبل وقتها.. ومراتي، أنا مديونها بصلحي وبكل يوم هادي عشته بعد كل مصيبة أنا اتسببت فيها بطفاستي وطيبتي زيادة عن اللزوم.”
دموعي نزلت من غير ما أحس.. وإسلام كان بيعيط بصوت طالع بالعافية، وشيماء بصة في الأرض.
الجواب كان منتهي بجملة واحدة:
“إنك تكون طيب، مش معناها تسيب غيرك يؤذيك من غير حساب.”
السكوت عم المكان.. إسلام حاول يقرب من أمي ويمسك إيدها، بس هي رفعت إيدها بهدوء وقالتله:
— ما تخلطش بين المغفرة وإني أسمحلك ترجع تعمل كده تاني.
اليوم ده إسلام مشي من غير ما ينطق حرف.
بعدها بشهور، عرفت إن إسلام بقى شغال ورديتين في شركة شحن وتوصيل، وشيماء باعت مجوهراتها وشنطها عشان تسدد ديونها، وعلاقتهم اتدمرت بعد ما كل القروض المستخبية ظهرت للنور.
أنا مش شمتانة في فقرهم، بس مبسوطة إن لأول مرة العواقب راحت لصاحبها الصح.
أنا وأمي أخدنا فلوس وثيقة التأمين مع تحويشتنا، ونقلنا لشقة صغيرة ونظيفة في الشروق.
أمي اشتركت في نادي قريب وبقت بتتعلم رسم وزومبا، وفي 3 شهور كانت اتعرفت على نص المنطقة. وأنا كملت شغلي في عيادة الأسنان، وبقينا نتعشى سوا كل جمعة.
في ليلة، وأنا بعمل القهوة، بصيت على صورة بابا المتعلقة على الحيطة وسألت أمي:
— تفتكري يا أمي كان صح إنه يفضل بالدماغ الطيب والمغفلة دي؟
أمي ابتسمت بصفاء:
— لا.. بس الصح إن قلبه كان كبير.. اللي اتعلمناه متأخر، إن القلب الكبير لازم يكون له باب ومفتاح.
بصيت للصورة وفهمت أخيرًا..
بابا ما خسرش عشان كان طيب، بابا كان يخسر كل ما حد يفتكر إن طيبته دي حق مكتسب.
وأحنا كمان كنا هنخسر، لحد ما أمي قررت إن حب العيلة ما ينفعش يكون تمويل لاستغلالهم.
ومن يومها، لما حد يقولي إن إنك تحط حدود للناس دي قسوة.. بفتكر شكل الخزنة وهي مفتوحة فاضية يوم الجنازة. أوقات العدل ما بيبدأش غير لما تبطل تنقذ اللي بقاله سنين بيغرقك معاه.




