
”هاتي العلبة يا حبيبة.. هاتيها بدل ما أقسم بالله العظيم أعمل تصرف مش هيعجبك ولا هيعجب أهلك دلوقتي حالا!”
دموعي نزلت، قلتله وأنا بشهق من العياط:
”حاضر.. هجيبها، وهثبتلك إنها كدابة وإن العلبة مقفولة زي ما هي جابتهالي بالظبط!”
جريت على أوضة النوم، قلبي هيقف من الخوف والقهرة. فتحت الدولاب، وطلعت العلبة القطيفة من تحت الهدوم زي ما شيلتها. مسكتها وطلعتلهم الصالة، ورميتها على الترابيزة قدامهم وقلت بقوة مستمدة من قهرتي:
”أهي العلبة! افتحها يا جلال وشوف بنفسك، مقفولة زي ما الكدابة دي سابتهالي من يومين!”
شيرين بصت للعلبة، وابتسامة خبيثة اترسمت على شفايفها لثانية واحدة قبل ما ترجع تمثل وتعيط تاني. جلال مد إيده، كسر القفل الصغير بتاع العلبة وفتحها…
وهنا كانت الكارثة.
العلبة مكنش فيها دهب شيرين… العلبة كان فيها حاجة تانية خالص، حاجة خلت جلال يرجع لورا خطوتين ووشه يبهت ويفقد النطق، وحاجة خلتني أقع على ركبي وألطم على وشي وأنا مش مصدقة عيني من الصدمة!!
#الكاتبه_نور_محمد
العلبة اتقفلت في إيد جلال بصوت كسر القفل الخشب… وسقطت منها الأوراق والقطع اللي كانت جواها على ترابيزة الصالة.
لم تكن العلبة تحتوي على غويشة واحدة من دهب شيرين، ولا خاتم من اللي كانت بتباهى بيهم قدام العائلات…
العلبة كان جواها ثلاثة إيصالات رهن رسمية من محل صاغة شهير في وسط البلد، بتاريخ من أربعة شهور فاتوا، باسم “شيرين عبد السلام” وصورة بطاقتها الشخصية ملصوقة على أصل المبايعة!
ومعاها طقم أكسسوارات حريمي من النحاس الأصفر المطلي اللي بيلع من بعيد، لكن القشرة بتاعته مقشرة من الجوانب ومبينة المعدن الرخيص اللي تحته، وستة وصلات أمانة ممضية على بياض باسم شيرين لشخص غريب!
تسمر الجميع في أماكنهم… الصمت خيم على الشقة كأنها مقبرة، صوت أنفاسنا العالية كان هو الحتة الوحيدة الشغالة في الكون.
جلال وشه اتخطف، ألوانه اتغيرت من الأحمرار الشديد للصفرة الباهتة كأنه شاف شبح. مد إيده بتترعش، مسك إيصالات الرهن وقرأ الاسم والتاريخ بصوت واطي ومذهول:
”إيصال رهن دهب… المبلغ 180 ألف جنيه… المستلم: شيرين عبد السلام… الرقم القومي… بتاريخ 12 نوفمبر اللي فات?!”
محمود أخوه قرب بذهول، عينيه كانت هتطلع من مكانها، شد الإيصالات من إيد جلال وبدأ يقرأ بتركيز، وركبه بدأت تتخبط في بعضها:
”إيه ده؟! دهب إيه اللي مراهون من أربع شهور؟! وشيرين مين اللي بايعة وموقعة برقم بطاقتها?!”
في اللحظة دي، شيرين اتراجعت خطوتين لورا، وشها أبيضّ زي الملاية البيضا، والدموع اللي كانت بتنزل لمسرحية السرقة جفت تماماً من عيونها، وحل مكانها رعب حقيقي. حاولت تتلعثم وتصرخ:
”كـ.. كدب! والله العظيم كدب! دي… دي سارة هي اللي زوّرت الأوراق دي! هي اللي بدلت الدهب بالنحاس وزوّرت بطاقتي عشان تلبسني مصيبة!”
قمت من على الأرض ببطء… الصدمة اللي كانت شلاني أتحولت في ثواني لبركان غضب وقوة عمري ما عرفت إني بمتلكها. مسحت دموعي بقسوة، وقربت منها بثبات وأنا ببص في عينيها مباشرة:
”أزوّر بطاقتك؟! وأجيب إيصال رهن من محل صاغة بالختم والتاريخ ورقم البطاقتك وشكل دهبك من أربع شهور؟! وأجيب وصلات أمانة باسمك إنتي منين يا خائنة يا نصابة؟!”
التفتّ لجلال اللي كان بيبصلي بذهول وندم بدأ يتسلل لعينيه، وقلت بصوت بيزلزل الشقة:
”شفت يا جلال؟ شفت اللي كنت جاي تظلمني عشانها وتكسرني قدام أخوك؟! شفت الأمانة اللي جابتهالي تدبسني فيها؟!”
شيرين بدأت تصرخ وتعمل مناحة جديدة:
”لا يا محمود ما تصدقهاش! هي اتفقت مع الصايغ! هي عملت كده عشان تتخلص مني!”
محمود مسكها من دراعها بعنف وهزها بقوة:
”سكتي خالص! إيصالات الرهن دي أصلية وفيها ختم المحل! والدهب ده فالصو! إنتي بعتي دهبي من ورايا يا شيرين؟! بعتي شقايا وتعب سنيني في الغربة؟!”
أنا اتدخلت بصوت حاسم ورزين:
”مش محتاجين نتخانق ولا نضرب بعض… الحقيقة أوضح من الشمس، ولو فيكم حد لسه عنده ذرة شك إن أنا اللي سرقت أو بدلت العلبة، ننزل حالا للعم إبراهيم بواب العمارة، ونفتح كاميرا المراقبة اللي متعلقة على مدخل العمارة وباب الشقة!”
شيرين أول ما سمعت سيرة “كاميرات المراقبة”، رجلها ما شالتهاش ووقعت على الكنبة وهي بتلهث ورعب الدنيا كله في عينيها.
جلال بصلي وقال بصوت مبحوح:
”كاميرات إيه يا حبيبة؟”
رديت عليه بجدية:
”عم إبراهيم ركب كاميرا جديدة على المدخل وعلى السلم من أسبوعين يا جلال… والكاميرا دي ممتدة لمدخل شقتنا. افتح موبايلك واطلب عم إبراهيم خليه يجيب تسجيل يوم الثلاثاء اللي فات الساعة 4 العصر… يوم ما شيرين جتلي هنا وهي بتعيط وتترجاني أشيل العلبة عندها!”
مواجهة الحقائق وإسقاط القناع
في خلال عشر دقائق، كان عم إبراهيم طالع ومعه الفلاشة وموبايله. فتحوا التسجيل قدام الكل على شاشة التليفزيون في الصالة.
الصورة كانت واضحة زي الكريستال:
يوم الثلاثاء الساعة 4:12 عصراً: شيرين طالعة على السلم، ماسكة في إيدها نفس العلبة القطيفة، بتلتفت يمين وشمال برعب وخوف، خبطت على باب شقتي، وأنا فتحت لها الباب ودخلتها وهي بتعيط وتتمسح فيا!
وبعد 20 دقيقة: خرجت شيرين من شقتي وإيدها فاضية، ووشها عليه ابتسامة ارتياح خبيثة!
محمود بص للشاشة، وبص لشيرين اللي كانت بتترعش على الكنبة، وسألها بصوت طالع بالعافية:
”كنتي طالعة الشقة هنا بـ العلبة دي ليه يا شيرين؟ مش إنتي حلفـتيلي على المصحف من ساعة إنك ما خطتيش عتبة الشقة دي من أسبوعين؟!”
ما قدرتش تتكلم… كانت بتتنفس بصعوبة ومش قادرة تطلع حرف.
جلال مسك موبايله ورن فوراً على رقم محل الصاغة المكتوب على إيصال الرهن، وشغّل الميكروفون الخارجي (السباط) قدام الكل.
رد صاحب المحل:
”أيوة يا فندم… المحل معاك.”
جلال قال بثبات:
”لو سمحت يا حاج… معايا إيصال رهن دهب برقم (4521) باسم المدام شيرين عبد السلام، عايز أتأكد من صحة البيانات.”
صاحب المحل رد بوضوح:
”أيوة يا أستاذ… المدام شيرين جاتلي بنفسها من أربع شهور ومعاها بطاقتها، ورهنت طقم دهب كامل وزنه حوالي 90 جرام، وأخدت مقابلهم 180 ألف جنيه، وقالت هترجع تفك الرهن بعد شهرين وما جتش لحد النهاردة، والدهب معروض للبيع طبقاً للبند المكتوب في الإيصال!”
الكلمات دي كانت المسمار الأخير في نعش كذب شيرين.
محمود قرب منها وهو مش مصدق، وصوته بيترعش من القهر:
”بعتي دهبك ولابسة دهب فالصو من أربع شهور؟! ولما أنا طلبت منك أسبوع فات نبيع حتة دهب صغيرة عشان أدخل بيها في مشروع الجمعية، خفتي أكتشف إن الدهب اتباع، فقمتي عملتي الخطة الخبيثة دي؟! رميتي التهمة على مرات أخويا الشريفة عشان تدبسيها هي وجلال يدفعولي تمن الدهب اللي إنتي ضيعتيه؟! الفلوس دي راحت فين يا شيرين؟! الـ 180 ألف وصلات الأمانة دي بتاعة إيه؟!”
شيرين انهارت تماماً، وقعدت تصرخ وتبكي بحرقة وهي بتعترف بالحقائق السودة اللي كانت مخبياها:
”أنا دخلت في جمعيات أونلاين وتطبيقات وتداول وهمي على النت يا محمود! ضحكوا عليا ونصبوا عليا وأخدوا مني كل حاجة! لما الخسارة زادت والديون كبرت، هددوني بصلات الأمانة، اضطريت أرهن الدهب وأسدد النصب اللي أكلته! ولما إنت طلبت الدهب، اترعبت إنك تطلقني أو تحبسني… الشيطان وزني أرمي العلبة والنحاس عند حبيبة، وأتتهمها بالسرقة، عشان إنت تضغط على جلال، وجلال يدفعلي تمن الدهب كتعويض وتستتر المصيبة!”
لحظة الحساب والرد القاسي
الهدوء ساد الصالة بعد اعترافها الشنيع…
محمود بصلها بنظرة كره واشمئزاز عمري ما شفتها في عيون راجل لمراته. قرب منها ومسكها من إيدها وقفها وقام قايل بصوت جاف زي الحطب:
”إنتي مش بس خاينة وأمينة على سر بيتي وشقايا… إنتي ست مريضة وشريرة، كنتي هتخربي بيت أخويا وتدمري حياة ست شريفة ما عملتش فيكي غير كل خير! إنتي من اللحظة دي.. طالق بالثلاثة يا شيرين! وما لكيش مكان في بيتي، والشرطة والقضاء هم اللي هيحكموا بيني وبينك في الفلوس ووصلات الأمانة دي!”
أخدها من إيدها ورماها برة باب الشقة، وهي بتصرخ وتتوسل له يسامحها، وقفل الباب في وشها بقوة هزت الجدران.
محمود ألتفت ليّ، ونزل على ركبته قدامي والدموع في عينيه:
”سامحيني يا حبيبة… حقك عليا يا أختي، أنا انضحك عليا وعمايا الغل والخوف على شقايا، أنا آسف إن حطيتك في الموقف ده وتطاولت عليكِ في بيتك.”
قلت له بهدوء وثبات:
”حقك عند ربنا يا محمود… ربنا يظهر الحق ويهدي سرك، بس اللي حصل النهاردة ما يتنساش بسهولة.”
محمود قام وخرج من الشقة وهو مكسور ومش قادر يرفع عينيه فينا.
المواجهة بيني وبين جلال
الباب اتأفل… وأنا وجلال بقينا لوحدنا في الصالة.
العلبة المكسورة، النحاس الفالصو، والأوراق كانوا لسه مرميين على الترابيزة.
جلال كان واقف مكانة، مش قادر يحرك خطوة واحدة ناحيتي. عينيه كانت مليانة دموع وندم، وشه كان مطأطأ للأرض من الخزي.
قرب مني ببطء شديد، ومد إيده عشان يمسك إيدي، بس أنا سحبت إيدي لورا فوراً وبصيت له بجمود.
جلال نزل على ركبه قدامي، ومسك رجليه وصوته كان بيتقطع من البكاء:
”حبيبة… أنا أسرع واحد في الدنيا اتعمى! أنا أسف يا نور عيني… أنا أسف يا حبيبة! الشيطان دخل بيننا، الخوف على أخويا والصدمة عموني! أنا رفعـت صوتي عليكي وهددتك وشككـت فيكي وفي أمانتك… أنا ما أستاهلكيش يا حبيبة!”
بصيت له وقلبي بيتعصر من الوجع. الجرح ما كانش من شيرين ولا من محمود… الجرح الحقيقي كان منه هو! الشك لما يدخل بين الزوجين بيهدم كل أركان الأمان.




