قصص وروايات

اهلي خطبوكي ليا

كانوا يقعدوا يتعشوا سوا على الطبلية قدام التليفزيون. وبعد العشا، عايدة بقت عاملة طقس ثابت. كل ليلة فيلم جديد.

“انهارده جايبالك فيلم عربي قديم، فاتن حمامة.”

“بكرة هنشوف فيلم أجنبي مترجم، بتاع الراجل اللي تايه في الجزيرة ده.”

كانوا يقعدوا جنب بعض على الكنبة، بينهم مسافة صغيرة في الأول، وبعد كام يوم المسافة دي راحت لوحدها. يتفرجوا ويتكلموا. تحكيله عن أمها الله يرحمها، وعن أيامها السودة مع مرات أبوها، وكانت بتحكي من غير شكوى، بتحكي كأنها بتحكي حدوتة عن واحدة تانية. وهو يحكيلها عن المحل، وعن أبوه الحاج عز، وعن وجعه بعد الطلاق وكلام الناس اللي كان بيقطع فيه كل يوم.

كانت بتسمعه. بجد بتسمعه. مش بتقاطعه ولا بتلومه. ولما يسكت، تحطله كوباية شاي بالنعناع وتقوله: “كله هيبقى خير، ربك كبير.”

عايدة كانت عايشة أسعد أيام حياتها. أخيرا بقت في بيت فيه أمان، مع راجل بيحترمها ويبصلها كأنها حاجة غالية. كانت كل يوم تستناه يرجع، وتجهز السهرة كأنها عيد.

ومصطفى؟ مصطفى كان وقع، ووقع جامد. بقى يعشق البيت، يعشق ريحة الأكل، يعشق صوت ضحكتها وهي بتتفرج على فيلم كوميدي. بقى يبصّلها وهي سرحانة ويسرح في جمالها الهادي. كان بيهرب من أوضته بالليل عشان ما يفكرش كتير، بس التفكير كان بيجي لوحده.. لحد ما حصلت حاجة غريبة غيرت كل حياتهم…. يتبع في الجزء الأخير

الجزء الأخير

الكاتبة ملك إبراهيم

مصطفى كان وقع، ووقع جامد. بقى يعشق البيت، يعشق ريحة الأكل، يعشق صوت ضحكتها وهي بتتفرج على فيلم كوميدي. بقى يبصّلها وهي سرحانة ويسرح في جمالها الهادي. كان بيهرب من أوضته بالليل عشان ما يفكرش كتير، بس التفكير كان بيجي لوحده..

في ليلة اليوم الأربعتاشر، كانوا قاعدين يتفرجوا على فيلم، والنور مطفي وسايبين نور الأباجورة بس. الفيلم كان خلص من بدري، والشريط الأبيض عمال يوش. هما الاتنين ساكتين.

مصطفى بصّلها، لقاها بتبصله هي كمان.

أول مرة عينيه ما تهربش منها. شافت فيها حاجة ما شافتهاش قبل كده. ما كانش شفقة ولا تأنيب ضمير. كان اشتياق. اشتياق حقيقي، مكتوم بقاله اسبوعين، وهيخرج غصب عنه.

مد إيده بالراحة، ومسك إيديها اللي كانت جنبه على الكنبة. إيديها كانت باردة وبتترعش خفيف.

قال بصوت واطي جدا: “عايدة…”

ما كملش. ما كانش محتاج يكمل. كل حاجة كانت باينة في عينيه. الخوف إنه يظلمها، والحب اللي بقى أكبر من الخوف ده بمليون مرة.

عايدة بصت في عينيه، وشافت الراجل اللي حبته من وهي عيلة صغيرة، الراجل اللي بقى جوزها وحبيبها وبيتها وأمانها.

ما قالتش ولا كلمة. هزت راسها بالموافقة، وابتسامتها الهادية رجعت تنور وشها تاني، بس المرة دي كان فيها حياء وفرحة.

قام وقف، ومد إيده ليها. مسكت إيده، وقامت معاه.

وقفل باب الأوضة الكبيرة عليهم هما الاتنين، لأول مرة من ليلة كتب كتابهم.

كانت ليلة رومانسية وهادية، كلها همس وضحك مكتوم. ليلة اكتمل فيها جوازهم بجد، قدام ربنا وقدام قلبهم، بعيد عن كلام الناس وتحاليل الدكاترة وكل الوجع القديم.

الصبح، مصطفى صحي بدري قبل معاد المحل بساعتين، ولقى عايدة نايمة جنبه، وشعرها واقع على خدها، ونايمة ومرتاحة كأنها أخيرا وصلت بيتها.

فضل باصصلها شوية طويلة، وبعدين طبع بوسة خفيفة على راسها، وقام عمل لنفسه كوباية شاي، وقعد في الصالة يستنى تصحى، وهو حاسس إن الشقة دي أخيرا بقت بيته بصحيح.

الشهرين اللي بعد ليلة جوازهم الحقيقية، كانوا أحلى شهرين عدوا على مصطفى وعايدة في حياتهم كلها.

البيت بقى بيت بجد. مصطفى ما بقاش ينام في الأوضة الصغيرة خالص، سريره بقى جنب سريرها، وهدومه بقت متعلقة جنب عباياتها في نفس الدولاب. كان بيصحى الصبح يلاقيها محضرة الفطار، تفطره بإيديها قبل ما ينزل المحل. وبقى يرجع بدري كل يوم، ساعات يقفل المحل العصر ويطلع، أخوه محمود بقى يضحك عليه ويقوله: “ايه يا عريس، الدهب هيطير؟”

عايدة كانت طايرة من الفرحة. أخيرا حست إن ليها راجل وبيت وسند. كانت كل يوم تستناه على الغدا، وبالليل سهرتهم قدام الفيلم بقت عادة مقدسة. كانوا بيتكلموا عن كل حاجة، عن بكرة، عن إنهم نفسهم يسافروا عمرة سوا، عن إنهم هيجيبوا قطة تربيها في البلكونة عشان البيت يبقى فيه حس.

لحد ما في أول الأسبوع التاسع لجوازهم، عايدة بدأت تتعب.

الأول كانت دوخة خفيفة وهي واقفة في المطبخ. قالت يمكن من الحر بتاع المنيا في شهر تمانية. بعدها بكام يوم بقت بتصحى الصبح دايخة ومعدتها مقلوبة، مش طايقة ريحة الأكل. وشها بقى أصفر، وجسمها همدان طول الوقت.

مصطفى خد باله طبعا. قالها: “مالك يا عايدة، وشك مخطوف ليه؟”

قالتله: “مفيش، شوية برد في معدتي وهتروح.”

بس التعب كان بيزيد كل يوم. في يوم رجع من المحل لقاها نايمة على الكنبة ومش قادرة تقوم تعمل الغدا. أول ما شافها كده، قلبه وقع في رجليه.

قالها: “قومي البسي، هننزل للدكتورة حالا.”

خدها لدكتورة سعاد، دكتورة النسا اللي نص ستات المنيا بيكشفوا عندها، عيادتها فوق صيدلية النصر في شارع طه حسين. قعدوا في أوضة الانتظار ساعة كاملة، مصطفى ماسك إيد عايدة ومش سايبها، وبيقولها: “ما تخافيش، شوية إرهاق وهتبقي زي الفل.”

دخلوا للدكتورة. كشفت على عايدة، وسألتها كام سؤال، وبعدين بصت للتحليل السريع اللي الممرضة عملته برا.

الدكتورة سعاد شالت نضارتها وابتسمت ابتسامة كبيرة، وقالت لمصطفى: “مبروك يا أستاذ مصطفى، المدام حامل. في أول الشهر التاني.”

الكلمة نزلت على الأوضة زي قنبلة.

عايدة شهقت وحطت إيديها على بوقها، عينيها وسعت، مش فاهمة. بصت لمصطفى بفرحة متلخبطة.

إنما مصطفى… مصطفى اتجمد مكانه. وشه اتخطف، بقى أبيض زي الورقة.

قال بصوت مبحوح، كأنه مش سامع كويس: “نعم؟ بتقولي ايه يا دكتورة؟”

الدكتورة ضحكت: “بقولك مبروك، مراتك حامل يا سيدي. ايه، مش مصدق ولا ايه؟”

قال تاني، وهو بيبص لعايدة وبعدين للدكتورة: “ازاي؟ حامل ازاي؟”

الدكتورة استغربت نبرته، وقالت بجدية: “زي كل الستات ما بتحمل يا أستاذ. التحليل إيجابي، والسونار مبين كيس الحمل. المدام حامل في أول التاني، يعني من حوالي ست أسابيع.”

عايدة كانت قاعدة مصدومة، لا عارفة تفرح ولا تعيط. كانت بتبص لمصطفى مستنية منه كلمة، حضن، أي حاجة. بس هو كان ساكت، عينيه زايغة، كأنه أخد خبطة على دماغه.

خرجوا من العيادة ساكتين. طول الطريق في التاكسي راجعين البيت، مصطفى ما نطقش ولا كلمة. كان باصص من شباك العربية على شارع الكورنيش، بس ما كانش شايف حاجة. دماغه بتنفجر.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى