
بعد يومين، قررت شهد الاحتفال بعيد ميلادها مع مجموعة كبيرة من أصدقائها الأثرياء القادمين من المدينة المجاورة. أجبرت أمي مريم على قضائه اليوم بأكمله في إعداد اللحوم المدخنة، والدجاج المحمر، والسلطات، وثلاثة أوانٍ ضخمة من حساء اللحم.
وعندما سأل أحد الضيوف بعفوية عن تلك المرأة الهزيلة في المطبخ، ضحكت شهد بصوت عالٍ وقالت بأسلوب ساخر: «أوه، إنها مجرد زوجة أخي… أخي تعب تماماً من تحمّل وجودها الكسول!»
وفجأة، انهارت مريم بجوار حوض المطبخ من شدة الإرهاق. وبينما كنتُ أحمل جسدها النحيل إلى السرير، قمتُ بتسجيل الضحكات الساخرة، والإهانات، وصوت أمي وهي تقول بصوت عالٍ إن «المرأة المريضة لا تصلح إلا لتعطيل الجميع».
في ذلك المساء، ألقيتُ بطُعمي الأخير.
شرحتُ لهما أن شركتي تتطلب إثبات ملكية الأصول باسمي حصرياً خلال اثنتين وسبعين ساعة، وإلا سيتم تجميد مستحقاتي الضخمة نهائياً بسبب تدقيق ضريبي مفاجئ.
ترددت أمي في بداية الأمر، لكن شهد —التي كانت مهووسة بفتح مركز التجميل الذي تحلم به— ضغطت عليها بشدة للموافقة.
في الصباح التالي، ذهبنا جميعاً إلى مكتب التوثيق العقاري. وقّعت شهد بطيب خاطر على عقد تنازل رسمي ينقل ملكية البيت إليّ مجدداً بعد أن كان باسمها، بينما وقّعت أمي على تفويض رسمي لتحويل جميع الحسابات الاستثمارية مباشرة إلى حسابي البنكي الرئيسي. تم شرح كل التفاصيل بصوت عالٍ من قِبل الموثّق، ومراجعتها بدقة، والتوقيع عليها بكامل إرادتهما.
قالت شهد وهي تسرح في مستقبلها المترف: «بمجرد أن تصل الأربعمئة ألف دولار إلى حسابك، سنقتسمها بالمناصفة، أليس كذلك؟»
في الساعة الثالثة من صباح اليوم التالي، نقلتُ مريم بهدوء بعيداً عن ذلك البيت السام. قدتُ السيارة بها مباشرة إلى مستشفى متخصص في علاج الأورام بالمدينة المجاورة، حيث أكد الأطباء أن ورمها لا يزال قابلاً للعلاج، رغم أن سوء التغذية الحاد الذي تعاني منه يجعل إجراء أي جراحة فورية أمراً شديد الخطورة.
أدخلها الكادر الطبي فوراً لتثبيت علاماتها الحيوية وتغذية جسدها الضعيف.
ثم أكملتُ قانونياً جميع التحويلات المالية، وألغيتُ البطاقة الائتمانية الفرعية التي كانت شهد تستخدمها بحرية. وفي بعد الظهر من اليوم نفسه، حاولت شهد شراء خاتم ألمنيوم ثقيل وباذخ من أحد المجمعات التجارية… لترفض الماكينة العملية فجأة وأمام خطيبها الثري «طارق»!
#### **الجزء الثالث**
اتصل «طارق» بهاتفي عشرين مرة متتالية، لكنني لم أرد على مكالمة واحدة منها.
ومع حلول الليل، عدتُ إلى البيت برفقة محامٍ معتمد، والموثّق العقاري، واثنين من رجال الشرطة المحليين لضمان الهدوء ومنع أي مواجهة جسدية. كانت أمي تجلس في غرفة المعيشة محاطة بكشوفات حسابية مطبوعة، بينما كان مكياج شهد ملطخاً بالدموع وفستانها الباهظ ملطخاً بالتجاعيد.
صرخت أمي باهستيريا بمجرد دخولي من الباب الأمامي: «لقد سرقتنا! أعد لي بيتي وأموالي الآن!»
فتحتُ محفظتي الجلدية بكل هدوء، ووضعتُ صكوك الملكية، وكشوفات التحويلات البنكية، والتقارير الطبية الرسمية الخاصة بـ مريم، وتسجيل الفيديو الخاص بحفل عيد الميلاد على الطاولة الزجاجية مباشرة.
ثم ضغطتُ على زر التشغيل في هاتفي. وقبل أن ينتهي مقطع الفيديو الأول، أدركت أمي أن الحقيقة الكاملة قد بدأت تطفو على السطح.
على الشاشة المضيئة، ظهرت شهد وهي تضحك باهستيريا بينما كانت مريم، الشاحبة والتي ترتعد بوضوح، تكافح لحمل صينية ثقيلة. ثم تردد صوت أمي الواضح في أرجاء الغرفة: «إذا أُغمي عليها مجدداً، اتركوها مستلقية في الفناء… إنها دائماً ما تصنع دراما واستعراضاً كلما جاءنا ضيوف!»
كان الصمت الثقيل الذي خيّم على غرفة المعيشة أشد صخباً من أي صرخة غضب.
حاولت شهد الاندفاع للأمام لانتزاع الهاتف من يدي، لكن أحد أفراد الشرطة تدخل بسرعة ليمعنها. نظرت أمي بذعر إلى المحامي ثم إلى الموثّق، محاولةً البحث بأسى عن أي ثغرة قانونية للهروب من الموقف.
قالت أمي وهي تدافع عن نفسها بصرخات: «ذلك التسجيل لا يثبت أن الأموال كانت لك في الأصل! لقد أرسلتَ تلك الأموال لأنك ابن بار، وبمجرد إيداعها، أصبحت تابعة لي قانونياً!»
أخرجتُ بكل هدوء إيصالات التحويلات البنكية الدولية لأربع سنوات كاملة، وقسائم راتبي الرسمية، والمحادثات النصية التي وعدتني فيها صراحة بإدارة أموالي لبناء بيتي، والرسائل التي طمأنتني فيها بأن مريم تتلقى الرعاية المناسبة.
ثم وضعتُ ورقة صغيرة مطوية أمامها مباشرة على الطاولة… كانت إيصال البيع الأصلي من المتجر المحلي الذي اشترى شعر زوجتي مقابل مئة وخمسين دولاراً.
قلتُ لها بنبرة حادة وباردة: «بينما كنتِ تكتنزين أكثر من سبعين ألف دولار في حسابات استثمارية خاصة، باعت مريم شعرها لمجرد سداد تكاليف فحوصات السرطان… هل ستدّعين أن شعرها كان هدية لكِ أيضاً؟»
نظرت أمي إلى الأرض لثوانٍ معدودة قبل أن يتصلب وجهها مجدداً، وقالت بمرارة: «لقد كانت دائماً امرأة ضعيفة! فضلاً عن ذلك، أنت ابني من أحشائي، وأمك يجب أن تأتي أولاً دائماً!»
جاوبتها بثبات: «كونكِ أمي لم يمنحكِ يوماً الحق القانوني أو الأخلاقي لترك زوجتي تموت ببطء».
أطلقت شهد ضحكة حادة ومؤذية وقالت بأسلوب درامي: «أنت لا تعرف حتى ما إذا كانت مريضة حقاً! ربما تلاعبت بك بقصص وهمية فقط لتسرق كل شيء لنفسها!»
فتح محاميَّ على الفور الملف الطبي الرسمي، كاشفاً عن صور الأشعة التشخيصية، والفحوصات النسيجية، وسجلات النقص الحاد في الوزن، والتوصيات الجراحية العاجلة. كما قدم بلاغاً جنائياً رسمياً كانت مريم قد قدمته بشأن التهديدات، وتقييد الاتصالات، والإساءة النفسية، والإهمال الطبي المتعمد.
تحول وجه أمي إلى البياض التام، وهمست بعدم تصدق: «بلاغ رسمي لدى الشرطة؟ ضد عائلتك وأهلك؟»
أجبتها مباشرة: «عائلتي الحقيقية هي المرأة التي انتظرتني بوفاء لأربع سنوات طويلة… أما أنتم فقد استخدمتم صلة الدم مجرد رخصة مجانية لسرقة جهدي وإهانة زوجتي».
عندما رأت أمي أن دفاعها ينهار، غيرت تكتيكها فجأة؛ سقطت على ركبتيها وبدأت تبكي بصوت عالٍ وأمسكت بكلتا يدي.
توسلت أمي وهي تبكي: «يا جاسم، يا بني العزيز، أردتُ فقط تأمين مستقبل شهد! الفتاة الشابة بحاجة إلى أصول مالية قوية حتى يحترمها زوجها بعد الزواج، لكنك رجل قوي ويمكنك العودة للعمل وكسب المزيد من المال بسهولة!»
تلك الجملة المسمومة دمرت ما تبقى من عاطفة في قلبي.
لقد قضيت أربع سنوات أنام في كرفانات ضيقة مع ستة عمال آخرين، وأعمل وأنا أعاني من الحمى العالية، وأرتدي أحذية متهالكة لتوفير المال، وأقضي العطلات وحيداً أمتص غربتي عبر شاشة الهاتف. بالنسبة لأمي، كان كل ذلك التضحية المؤلمة يمكن تكراره ببساطة لأنني “رجل”، بينما كان عرقي بالنسبة لشهد مجرد بطاقة ائتمان بلا حدود!
قلتُ بوضوح: «لم آخذ أي شيء كان يخصكنّ يوماً. هذا البيت بُني بالكامل من كسبي، والاستثمارات جاءت مباشرة من اقتطاعات رواتبي، وقد وقّعتنّ استمارات التنازل بطيب خاطر لأنكن طمعتنّ بأربعمئة ألف دولار إضافية».
بدأت شهد تبكي بدموع حقيقية من الهلع: «حفل زفافي وموعد زواجي بعد أقل من شهر! ماذا أقول لـ طارق الآن وهو ينتظر هذا البيت كجزء من المهر والشروط؟»
أجبتها دون تردد: «قولي له الحقيقة الكاتمة… قولي له إنكِ ادّعيتِ ملكية ثروة كسبها أخوكِ بعرق جبينه بينما تركتِ زوجة أخيكِ المريضة تتضور جوعاً ودون رعاية طبية».
أكد الموثّق العقاري رسمياً أن التنازل عن العقار كان طوعياً بالكامل، وأن جميع العواقب القانونية تم شرحها مسبقاً، وأن ملكية البيت أصبحت قيد التسجيل في السجل العقاري باسمي. وأضاف محاميَّ أن أي محاولة للطعن ستفشل أمام حجم الأدلة من تتبع مالي، وتدليس مكتوب، وإساءة مثبتة.
خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد
ولأنني لم أرد تحويل الأمر إلى فضيحة علنية أمام الجيران، أمهلتهما ثلاثة أيام كاملة لجمع ملابسهما ومتعلقاتهما الشخصية. كما أوضحتُ لهما أنهما ممنوعتان قانونياً من الاقتراب من مريم أو الاتصال بها، حيث سلمهما رجال الشرطة أوامر حماية مؤقتة.
نظرت إليّ أمي بحقد دفين وهي تحزم أمرها للمغادرة، وصرخت خلفي: «البلدة كلها ستعرف أنك طردتَ الأم التي أنجبتك!»
فأجبتها ببلادة وصمت: «وسيعرفون أيضاً السبب الذي جعلني أفعل ذلك بالضبط».
على مدار الأيام الثلاثة التالية، اتصلت أمي بالأعمام والأخوال والجيران وإمام المسجد، مدعية أن مريم سحرتني وأنها امرأة لعوب دمرت العائلة.
لكنها لم تتوقع أنني لن ألتزم الصمت.
جمعتُ أفراد العائلة الممتدة في الفناء، ليس للتشهير بأحد، بل لأن أمي كانت قد نشرت روايتها المزيفة بالفعل. عرضتُ عليهم إيصالات التحويلات الرسمية، وكشوفات الحسابات، والتقارير الطبية، ومقطعاً قصيراً من فيديو حفل عيد الميلاد.
غطت عمتي «مريم الكبرى» —التي قضت سنوات وهي تتطلع بإعجاب لمجوهرات أمي الذهبية— فمها بذهول وصدمة مطلقة.
سألت عمتي برعب: «يا أم جاسم… هل كنتِ تعلمين حقاً أن تلك المسكينة مصابة بالسرطان ورفضتِ إعطاءها حتى أُجرة المواصلات؟»
ادّعت أمي بضعف أن مريم كانت تبالغ في مرضها، لكن جارتنا «أم أحمد» تحدثت بثبات من عند البوابة الخارجية: «أنا شخصياً رأيتُ تلك المسكينة تسير لأميال تحت أشعة الشمس الحارقة لأنها لا تملك أُجرة الحافلة… ورأيتها تعود للمنزل ورأسها محلوق بالكامل، وعندما سألتُ عن السبب، كذبت شهد وقالت إنه عقاب لها على كسلها!»
انهارت شبكة الكذب المعقدة فوراً أمام المجتمع بأكمله.
في اليوم الرابع، حزمت أمي وشهد أمتعتهما بهدوء وانتقلتا إلى غرفة صغيرة مستأجرة بالقرب من محطة الحافلات. أخذتا ملابسهما، وأوراقهما الثبوتية، ومجوهراتهما الشخصية، فلم تكن لدي أي رغبة في التصرف بِنفس القسوة التي أظهرتاها.
توقفت حياتهما المترفة فجأة؛ وسرعان ما اكتشفت شهد أن طارق لم يكن الشريك المخلص الذي يتظاهر به، فقد ألغى الزفاف فوراً عندما أدرك أنه لن يكون هناك بيت فاخر، ولا مركز تجميل خاص، ولا ثروة بنكية ملحقة باسمها!
وعندما اتهمته شهد بغضب بأنه يتعقب أموالها، رد عليها طارق بحزم بأنها هي من خدعته وزيفت ثروة عائلتها منذ البداية.
#### **الجزء الرابع والأخير**




