
وبقت تنزل تشتغل في محل الخضار طول النهار، وبين كل كام ساعة، تسيب المحل دقيقتين، تطلع تجري على السلم، تفتح باب الشقة تشقر علينا وتطمن إننا أكلنا وأخويا الصغير نام، وتبوس رأسنا بسرعة وتنزل تاني … كانت بتقاتل عشان لقمة عيشها الشريفة، وعشان تثبت لنفسها وللدنيا كلها إن كرامتها وكرامة ولادها خط أحمر.
ومع كل نقطة عرق كانت بتنزل من وش ماما وهي شايالة وقافشة في شغلها عشان تعيشنا بكرامة، كان بابا بيخطط إزاي يكسر الضلع اللي فاضل فيها، وكأن نجاحها في إنها تقف على حيلها من غيره كان بيحرق قلبه.
في يوم، كنا قاعدين في الشقة بعد ما ماما طلعت تشقر علينا وتاخد نفسها دقيقة قبل ما تنزل المحل تاني. فجأة، الباب خبط خبطات متتالية وقوية، خبطات فيها استعلاء وكبرياء يخلي القلب يقف. ماما قامت بالراحة، مسحت عرقها بأطراف طرحتها، وفتحت الباب.
وقفنا أنا وأخويا الصغير وراها… وكان هو.
بابا واقف بكل غرور، ولابس أحسن ما عنده، وجنبه ست ثانية… “أميرة”. كانت لابسة ومدهنشة كأنها رايحة فرح، وبتبص لشقتنا ولماما من فوق لتحت بقرف وازدرار، كأنها داخلة مكان مش من مستواها.
بابا بص لماما بنظرة شامتة، ومد إيده بظرف أبيض كبير ورمى الورق في وشها على الأرض، وقال بصوت عالي وقاسي سمع الشارع كله:
“أهو ورق طلاقك وصل يا هيام! رميت عليكي اليمين وخلاص مبقتيش على ذمتي.. وجاي بنفسي أوريكي ‘أميرة’ هانم، عشان تتربي وتعرفي الفرق بين الست اللي تعلي شأن راجلها، وبين وحدة زيك آخرها تقف في محل خضار وريحتها بصل!”
أميرة ضحكت بقلة أدب وبصت لماما وقالت بنبرة سهوكة: “هي دي بقى اللي كنت بتقولي عليها يا مدحت؟ معلش يا حبيبي، العتب على النظر، الحمد لله إن ربنا نجدك ورجعت لمستواك الطبيعي.”
الكلمات كانت زي طلقات الرصاص بتخترق صدري، مسكت في جلباب ماما وأنا برتعش وبعيط بصوت مكتوم، ومستنية ماما تنهار، أو تصرخ، أو تقع على الأرض زي المرة اللي فاتت.تقريبا
لكن المرة دي… حصل العكس تماماً.
ماما وقفت بصلابة، ضهرها مفرود زي الحديد، عينها ما نزلتش للأرض ولا ثانية. بصت للورق المرمي على الأرض، وبعدين رفعت عينها وبصت لبابا وللمحروسة اللي جنبه بنظرة هدوء وتحدي يرعب.
ماما قربت خطوة واحدة، وبصت لأميرة وقالت بصوت هادي جداً بس يزلزل المكان:
“أهلاً يا هانم.. نورتي حارتنا. بس يا خسارة، أخدتيه وهو على جاهز بعد ما أنا شلت معاه القرف والفقر وعملت منه راجل.. خدي بالك منه بقى، لأن اللي يبيع أمه وولاده عشان قرشين، هيبيعك أنتي كمان أول ما القرشين دول يخلصوا!”
وبعدين لفت لبابا وبصت في عينه بقوة وقالتله:
“أما أنت يا مدحت.. فالورق ده مش طلاقي، ده شهادة ميلادي الجديدة. والكرامة اللي افتكرت إنك كسرتها، أنا أكلت بيها أولادي بالحلال ورأسي مرفوعة للسما.. يلا بالسلامة، الشقق الطاهرة مبايدخلهاش الأشكال دي.”
وقبل ما ينطق بابا بأي كلمة، ولا حتى لحقت الهانم ترد، ماما مسكت الباب ورزعته في وشهم بكل قوتها! صوت الرزعة هز العمارة كلها، وسابته واقف برة مصدوم وهو بيسمع صوت القفل بيلف، بعد ما اكتشف إن الست اللي افتكر إنها هتوطى تبوس رجله… بقت أطول منه بكتير ومع الرزعة دي، ماما قفلت باب الماضي بضبتين ومفتاح، وبدأت حكاية ثانية خالص.
من اليوم دا، ماما حطت كل طاقتها وغُلبها في شغلها. بقت تصحى قبل الشمس، تبدأ يومها بابتسامة صافية وصلاة فجر يدوب تريح قلبها، وتنزل للمحل كأنها رايحة معركة هي مصممة تطلع منها كسبانة. الزباين في الحارة والمناطق اللي حوالينا بدأوا يلاحظوا الفرق… نظافة الخضار اللي بتنضفه إيدها، أمانتها في الوزن، ولسانها الطيب اللي ينقط عسل وهو بيدعي للرايح والجاي.
بقت الستات في الحارة يقولوا لبعض: “روحوا اشتروا من عند أم فلان، حاجتها بركة ووشها يبشر بالخير”. المعلم صاحب المحل نفسه بقى مذهول من رجت الزباين عليه، وبقت هي السر في إن المحل رجله شالت رزق مكنش بيشوفه قبل كده.
مرت كم شهر، وماما بتاخد يوميتها وتحوش منها كل مليم زيادة عن أكلك وشربنا. لحد ما جه يوم وقفت فيه قدام مرايتها، ورشقت طرحتها بدبوس وقالتلي بصوت كله أمل: “لحد كده وكفاية يا بنتي.. رزقنا لازم يبقى من إيدنا خالص.”
راحت للمعلم، استأذنته بأدب، وأخدت القرشين اللي حوشتهم مع جمعية دخلت فيها، وعملت “فرشة خضار” صغيرة في أول الشارع الموازي. فرشة بسيطة خالص من خشب، بس كانت أنضف فرشة في السوق كله. تفرش الخضار وترتب الألوان كأنها بتدير لوحة فنية، والناس بقت تطب عليها بالطوابير.
الفرشة المتر في متر، بفضل ربنا وثباتها، ربنا طرح فيها البركة. وبعد أقل من سنة، كانت ماما مجمعة مبلغ محترم، وراحت أجرت المحل الصغير اللي كان مقفول قصاد فرشتها القديمة.
يوم ما استلمت مفتاح المحل، مسكت المفتاح وبست إيديها وش وظهر، وبصتلي والدموع في عينها وقالت: “المحل ده هيبقى باب الخير اللي مش هيتقفل في وشنا أبداً.”
وده اللي حصل بالظبط… المحل الصغير كبر، والست اللي كانوا فاكرين إنها هتموت من الجوع أو هتروح تخدم عشان لقمة العيش، بقت هي صاحبة الفضل والرزق، والكل بيحلف بشطارتها وكرامتها اللي كانت أعز عندها من الدنيا وما فيها.




