
التفتّ لجوزي اللي كان واقف مبرق، وقولت له: “أنا مخدتش فلوس فرحك.. أنا أخدت ورثي اللي أمك وأبويا سرقوه مني، والدهب ده بتاع أمي اللي عمتي أخدته من ورايا.. الفلوس دي فلوسي، والبيت ده نصيبه ليا، والشقة اللي فوق دي بفلوس أمي أنا!”.
عمتي صرخت: “أنتِ كدابة! دي ورقة ملهاش لازمة، الفلوس دي شقا ابنها ومقدم العروسة!”.
رديت عليها بثقة: “الورقة دي هتروح للنيابة والطب الشرعي الصبح يا عمتي، وهثبت إنكم زورتوا حقي وسرقتوني.. والفلوس والدهب معايا ومش هتشوفوا منهم مليم واحد.. وريني بقى هتعمل الفرح إزاي يا عريس يا لُقطة، وهتقول لأهل العروسة إيه لما يسألوك عن المؤخر والشبكة وفلوس القاعة اللي المفروض تدفعها بعد ساعة!”.
جوزي اتقدم عليا وعينه كلها شر، ورفع إيده عشان يضربني ويموتني وياخد الكيس، لكن في اللحظة دي بالذات.. الباب خبط خبط ورزع قوي ورا بعضه.
أخويا فتح الباب وهو مرعوب، ودخل أبو العروسة وأخوها الكبير، ووشوشهم مكنتش تبشر بخير أبدًا. أبو العروسة بص لجوزي ولعمتي وقال بنبرة حادة هزت الشقة: “إحنا واقفين تحت بقالنا ساعة مستنيين العربيات والمواكب، والكوافير بيتصل بيقول الحساب مدفعش والعروسة محبوسة جوه.. إيه المهزلة دي؟! وفين الشبكة والدهب اللي قولتوا هنجيبهم من الشقة وننزل؟!”.
بصيت لجوزي ولعمتي ولبابا.. التلاتة كانوا واقفين زي الفراخ المبلولة، الكبرياء والظلم والشر اللي كان في عيونهم اتمسح وبقى بداله رعب وفضيحة هتوصل لكل حتة في المنطقة.
أبو العروسة لمح الهدوم المرمية في الأرض وشكل الصالة المقلوبة، وبص لي وأنا ماسكة الكيس الأسود وفي وشي أثر القلم، وقال: “هو في إيه في البيت ده؟! إنتوا بتخبو علينا إيه؟!”.
قربت من أبو العروسة، وفتحت بوقي عشان أحكي له كل حاجة وعمتي بتبص لي بنظرة رجاء وتوسل لأول مرة في حياتها..
قربت من أبو العروسة، وعمتي عيونها كانت بتترجاني، وبابا حاطط إيده على بوقه كأنه بيموت، وجوزي واقف عرقان وبدلة الفرح عليه بقت زي الكفن. بصيت لأبو العروسة وقولت له بكل برود:
“البيت ده مفيش فيه فرح يا عمي.. البيت ده فيه سرقة وفضيحة. العريس اللي واقف قدامك ده وأمه سرقوا فلوس الشبك والمؤخر وفلوس القاعة اللي كانوا واعدينكم بيها، والناس اللي أنت شايفهم متبهدلين دول كانوا بيفتشوا البيت لأن الفلوس اختفت.. مفيش مليم واحد يدفعوه للكوافير ولا للقاعة، وابنك وبنتك لو كملوا الجوازة دي هيعيشوا في المحاكم.”
أخو العروسة سمع الكلمتين دول ودمه فار، قرب من جوزي ومسكه من ياقة بدلته وزقّه: “الكلام ده صحيح يا فالح؟! إحنا بقالنا شهور بنجهز وبنتشرف بيكم، وفي الآخر تطلعوا نصابين ومش معاكم تدفعوا حساب الكوافير؟! فين الشبكة اللي قولتوا طالعين تجيبوها؟!”
جوزي لصحابه وقرايبه مكنش قادر ينطق، بص لأمه اللي قعدت في الأرض تبكي وتقول: “بنت عمك هي اللي سرقتنا يا حج! البت دي خطفت شقا عمرنا وولعت في البيت، هي اللي معاها الفلوس في الكيس ده!”
أبو العروسة بص للكيس اللي في إيدي وبص لورقة التنازل، ولمح أثر الضرب على وشي والدم السايل من شفتي. الراجل كان ذكي وفهم إن في مصيبة عائلية وتصفية حسابات هتدمر بنته لو دخلت البيت ده. بص لعمتي وقرفان وقال: “بنت أخوكم بتقول إنكم زورتوا حقها وسرقتوها، وأنتِ بتقولي هي اللي سرقتكم.. إحنا مالنا ومال قرفكم ده؟! بنتي مش هتدخل بيت عيلته حرامية وبياكلوا مال اليتيم!”
التفت لبابا وقال له: “وأنت يا راجل يا ناقص، سايب أختك وابنها يبهدلوا بنتك وتضربها في يوم زي ده عشان يداروا خيبتهم؟! الجوازة دي باظت، والماذون اللي مستني في القاعة هخليه يكتب ورقة طلاق بنتي حالا، والمنقولات والجهاز اللي فوق مش هيقعد منهم معلقة واحدة في الشقة دي.. يلا يا ابني!”
خرج أبو العروسة وأخوها وهما بيسبوا ويلعنوا، ونزلوا على السلم وصوتهم جاب آخر الشارع. عمتي لمت الجيران وقرايبنا وبدأت تصوت وتلطم: “فرح ابني انخرب! الفضيحة بقت بجلاجل في المنطقة كلها!”
جوزي أول ما شاف أهل العروسة مشيوا والجوازة اتهدت، اتعمى من الغضب. بصلي وعيونه كانت حمرا زي الدم، وسحب سكين من على ترابيزة المطبخ وجري عليا وهو بيصرخ: “هقت*ل*ك يا بنت (…)! ضيعتي عمري وفضحتينا، مش هسيبك عايشة!”
الناس اللي في الصالة صرخوا وبابا جري استخبى ورا الباب من الخوف. مكنتش خايفة، الغل اللي جوايا كان مديني قوة غريبة، لكن قبل ما يوصلي، أخويا الصغير — اللي مكنش ليه صوت طول عمره — وقف في وشه وزقه بكل قوته: “سيبها يا حرامي! أنت وأمك أكلتوا حقها وحق أمها، وبابا بايعها ليكم، كفاية لحد هنا!”
الزقة دي خلت جوزي يتوازن لورا، وفي اللحظة دي استغليت الهرج والمرج، وبكل قوتي جريت ناحية باب الشقة. كنت ماسكة الكيس الأسود في حضني كأني ماسكة روحي. نزلت السلم جري وأنا بسمع صوت جوزي وهو بيحاول يحصلني وعمتي بتصرخ وراه: “امسكوا الحرامية! هاتوا الفلوس!”
نزلت للشارع بالفستان القديم اللي رمهولي، والناس في المنطقة كلها كانوا واقفين يتفرجوا على عيلة العريس اللي بتتخانق وصوت لطب عمتي مالي المكان. جريت وأنا مش باصة ورايا، الدموع اللي كتمتها سنين كانت بتنزل بس المرة دي دموع حرية مش دموع ذل.
طلعت على الطريق الرئيسي وركبت أول عربية ميكروباص قابلتني، مكنتش عارفة أنا رايحة فين، بس كنت عارفة إني مستحيل أرجع للبيت ده تاني. قعدت في آخر الكنبة، وحطيت الكيس في حجري، وفتحت الموبايل الصغير القديم اللي كان معايا.
كلمت المحامي اللي كان جار ستي الله يرحمها، والراجل ده كان دايماً يقول لستي: “لو البنت دي احتاجت حاجة في يوم من الأيام، أنا موجود يا حاجّة”. حكيت له وأنا بترعش في خطف سريع اللي حصل، وقولت له معايا ورقة التنازل المزورة والدهب والفلوس.
المحامي سكت لحظة وقال لي بصوت حازم: “أنتِ عملتي الصح يا بنتي.. بس هما مش هيسيبوكي، وهيبلغوا عنك بالسرقة عشان يلووا دراعك بالورقة. اسمعي كلامي، متنزليش في أي مكان عام، وتجيبلي الشنطة والورق ده على مكتبي حالا، وإحنا اللي هنبدأ بالبلاغ عن التزوير وأكل مال قاصر قبل ما هما يتحركوا.”
نزلت من الميكروباص ورحت لمكتب المحامي في منطقة بعيدة عن منطقتنا. أول ما دخلت وشاف منظري والدم اللي على شفايفي، اتأثر جداً وقالي: “حقك هيرجع يا بنتي، وستي الله يرحمها هترتاح في تربتها.”
أخد مني ورقة التنازل، وبدأ يكتب عريضة البلاغ للنيابة العامة بتهمة التزوير واستغلال قاصر، وطلب انتداب الطب الشرعي لمعاينة الإمضاء. أما الفلوس والدهب، فقالي: “الفلوس دي هنشيلها في مكان أمان، لأنها جزء من حقك الشرعي المثبت في دفاتر ستي القديمة اللي معايا صور منها، وهنقدمها كدليل إنهم كانوا عازلينك ومستولين على مالك.”
وأنا قاعدة في مكتب المحامي، تليفوني مكنش بيبطل رن.. بابا، عمتي، جوزي.. رسايل تهديد وشتائم ووعيد بالق*تل. وفجأة، جت لي رسالة من رقم جوزي، بس المرة دي الكلام مكنش منه.. كانت رسالة صوتية من العروسة اللي كانت من شوية هتبقى ملكة الشقة اللي فوق.
فتحت الرسالة، وكان صوتها كله غيظ وغل وهي بتقول: “فاكرة نفسك انتصرتي يا خدامة؟ وحياة أمي لأخلي جوزك يدفنك حية، والشقة اللي فوق دي هاخدها هاخدها، والفلوس اللي سرقتيها هترجعيها ورجلك فوق رقبتك، إحنا بلغنا الشرطة عنك يا حرامية!”
قِفلت الرسالة وبصيت للمحامي وقولت له: “هما بلغوا.”
المحامي ابتسم ابتسامة واثقة وقال: “يبقوا فتحوا على نفسهم طاقة جهنم.. يلا بينا على النيابة.”
المحامي بصلها بنظرة كلها ثبات وقام وقف، لبس الروب بتاعه وقال بصوت قوي: “هما افتكروا إن البلاغ بتاعهم هيخوفنا، ما يعرفوش إنهم برجليهم بيجروا لحبل المشنقة. السرقة اللي هما بيتحاموا فيها دي مش هتاخد غلوة في النيابة لما نثبت إن الفلوس والدهب دول أصلًا ورثك الشرعي اللي منهوب بالورقة المزورة دي. يلا بينا، المواجهة بدأت.”
خرجت مع المحامي وركبنا عربيته، وطول الطريق للنيابة كان شريط حياتي بيتعاد قدام عيني.. افتكرت ستي وهي بتسرح لي شعري وتقولي “القناعة كنز يا بنتي”، واكتشفت إن القناعة اللي زرعتها جوايا كانت جميلة، بس مع ناس بتخاف ربنا، مش مع دياب بشرية مستنيين الفرصة عشان ينهشوا لحمي. افتكرت نظرات إخواتي في فرحي وهما لابسين أحسن لبس وأنا بالفستان القديم، وافتكرت ليلة دخلتي الحزينة وأنا واقفة وسط جبل المواعين وعمتي واقفة ومربعة إيديها. كل الذكريات دي كانت بتتحول جوة قلبي لنار قايدة، نار خلت الخوف اللي عاش معايا طول طفولتي يتبخر ويحل محله رغبة عمياء في إني أشوفهم مكسورين زي ما كسروني.
وصلنا مبنى النيابة، والمحامي دخلني وطلب من سكرتير النيابة تقديم بلاغ عاجل بالتزوير والضرب والاحتجاز واستيلاء على أموال قاصر. وفي نفس اللحظة اللي كنا واقفين فيها في الطرقة مستنيين دورنا للدخول لوكيل النيابة، لقيت الباب الخارجي للمبنى بيتفتح، ودخل منه بابا وجوزي وعمتي ومعاهم محامي ماسك في إيده أوراق.
أول ما عمتي شافتني، وشها اتقلب لكتلة من الغل، وسابت المحامي بتاعها وجريت عليا وهي بتصرخ في وسط المصلحة الحكومية: “الحرامية اهي يا فندم! اهي اللي سرقت شقا ابني وخربت بيتنا يوم فرحه! اقبضوا عليها!”
العساكر والموظفين اتلموا، وجوزي قرب وعيونه فيها نظرة لو كان يطول بيها مكنش تأخر، وبابا واقف وراهم ويبصلي بنظرة خزي وعار كأني أنا اللي أجرمت في حقه مش هو اللي باعني.
محاميَّ وقف زي الأسد، وزق عمتي بعيد عني وقال بصوت جهوري هز الطرقة: “الزمي حدودك يا ست أنتِ! إحنا هنا في ساحة عدالة، والكلبشات اللي بتدوري عليها دي مش هتتمد لإيد البنت الغلبانة دي، دي هتتمد ليكم أنتِ وابنك وأخوكي النصاب اللي واقف وراكم!”
المحامي بتاعهم قرب وقال: “إحنا مقدمين بلاغ رسمي في القسم والنيابة أهلت المحضر، البنت دي سرقت مشغولات ذهبية ومبلغ مالي كبير وهربت يوم فرحها، ومعانا شهود من الجيران وقرايب العريس.”
في اللحظة دي، خرج سكرتير النيابة وزعق فيهم: “إيه الهرج والمرج ده؟! ادخلوا جوة عند وكيل النيابة حالا!”
دخلنا كلنا الأوضة. وكيل النيابة كان راجل شاب، ملامحه حازمة وعيونه حادة، قعد على مكتبه وبص لينا وقال: “أنا قدامي محضر سرقة مقدم من المواطن (جوزي) وأمه ضد زوجته.. وبنفس الوقت قدامي بلاغ تزوير واعتداء مقدم من الزوجة ضد نفس الأشخاص. مين هيبدأ يتكلم؟”




