قصص وروايات

سلفتى حكايات رومانى مكرم

سلفتى أتصلت بيا وقالت تعالى انتى ومرات ابنك واقعدو معنا اسبوع فى المصيف كده كده جوزها مسافر اتصلت بابنى انا ومراته وكلمنا وافق نروح نصيف تانى يوم جهزت الشنطه وسافرنا من الساعه 10الصبح وصلنا عندهم الساعه 3العصر وصنا كنا جعانين من الطريق قولت لسلفتى فين الأكل قالتلى

مفيش اكل ادخلى انتى اعملى الاكل انصدمت يعنى طول الطريق تعبانين ورايحين نقف فى المطبخ قولتلها لأ بقي ده كتير قالت كله فى البحر ادخلى مطالعين لحمه وفراخ وأطبخوا دخلنا طبخنا انا ومرات ابنى خلصنا وأكلنا وشويه ولقينا اخت سلفتى وامها واخوها وعيال اخت سلفتى جاين من البحر دخلوا اتشطفوا وطلعوا وسابوا وراهم كوم هدوم لقيت سلفتى بتقولى خلى مرات أبنك تغسلهم وتنشرهم علشان احنا تعبانين سكت وقولت حاضر ودخلت مرات ابنى غسلتهم كلهم ونشرتهم وقالوا جعانين اكلتهم وقعدت يا حبيبتى ميته من الطريق والطبيخ وده كله

 

تانى يوم لقيت سلفتى بتصحينى وبتقولى قولى لمرات ابنك تطلع تجهز فطار قولتلها ليه يا ياطنط هما فين الحريم مرات ابنك وبنتك وانتى قالت نايمين قولتلها ليه وانا مرات ابنى خدامه ليكم رفعت التلفون اتصلت بابنى

 

الجزء الأول:

 

طول الطريق من القاهرة للأسكندرية، كان التكييف في الميكروباص عطلان، والحر يطبخ الحديد. بس حماسنا كان غالب. بقالنا سنتين مانزلناش البحر، ولما سلفتي “فريدة” اتصلت بيا وقالت: “تعالي يا هدى أنتِ ونسرين مرات ابنك، الراجل مسافر والشقة فضيت علينا، تعالوا صيفوا معانا أسبوع ويا بعض بدال القعدة دي”، قلبي انشرح. “نسرين” طيبة وبنت أصول، أول ما استأذنت ابني “تامر”، قال فوراً: “روحي يا أمي غيري جو، ونسرين معاكي تشيل عنك”.

 

وصلنا بوابات العجمي الساعة 3 العصر. ركبي كانت بتخبط في بعضها من طول القعدة، والمعدة بتصوصو من الجوع. طلعنا الدور الرابع وبننهد، فتحت لنا “فريدة” الباب ووشها مفيهوش ابتسامة واحدة.

هدى (وهي بتحط الشنط والأرض بتدور بيها):

 

— “يا فتاح يا عليم.. الطريق كان واقف يا فريدة، الحمد لله إننا وصلنا بالسلامة. فين الغدا بقى يا أختي؟ ده احنا أمعاءنا اتفصلت من الجوع!”

 

فريدة (ببرود وهي بتبص للشنط بقرف):

 

— “غدا إيه يا هدى؟ هو أنا شغالة عندكم؟ خشوا المطبخ اعملوا أكل لنفسكم، الفريزر مليان لحمة وفراخ، افكوا واطبخوا.”

 

هدى (بصدمة وعينيها وسعت):

 

— “نعمل إيه؟ أنتِ عزمانا عشان نطبخ؟ ده احنا جايين من سفر خمس ساعات مش قادرين نقف على رجلينا!”

 

فريدة (ردت بكل بجاحة وربعت إيديها):

 

— “كله في البحر يا هدى! ما هو مفيش أكل بيجي بالساهل، ادخلوا يلا ساعدوا بعض عشان الناس لما ترجع تلاقي الأكل جاهز.”

 

نسرين (غمزت لي بكسوف وحسن نية):

 

— “خلاص يا طنط.. معلش، ندخل أنا وأنتِ نعمل حاجة سريعة ونرتاح بعدين.”

 

دخلنا المطبخ والحرارة جواه زي الفرن. وقفنا ساعتين نعمل أرز ولحمة وصينية بطاطس، ودموعي نازلة من حرارة البوتاجاز ومن القهرة. أول ما غرفنا وقعدنا ناكل، الباب اتفتح وفجأة الشقة اتملت دوشة وهيصة.

 

دخلت أم فريدة، وأختها “سحر”، وأخوها، وأربع عيال كبار. سابوا باب الشقة مفتوح، ودخلوا بصندل البحر المليان رملة غرقوا بيه الصالة. من غير ولا كلمة سلام، دخلوا الحمامات، وشوية ولقيت “فريدة” طالعة لي الصالة وفي إيدها جبل هدوم مبلولة ميتة رملة وريحته زفرة.

 

فريدة (بتقول بالأمر ورمت الجردل تحت رجل نسرين):

 

— “خدي يا نسرين، اغسلي الكوم ده وانشريه بسرعة قبل ما الشمس تروح، احنا طالعين من البحر مهدودين.”

 

هدى (وقفت وجسمي بيترعش من الغضب):

 

— “نعم؟! وهي نسرين خدامة القعدة ولا إيه يا فريدة؟!”

 

فريدة (بصوت واطي وخبث):

 

— “جرى إيه يا هدى؟ كبروا عقلكم، البنت شابة وتقدر، ولا أنتِ عاوزة تقعدوا بلقمتكم من غير ما تشيلوا الشقة؟”

نسرين مسكت إيدي وهي بتترعش وقالت بصوت واطي: “عشان خاطري يا طنط، بلاش مشاكل، هغسلهم وأمري لله”. سكت وبلعت الإهانة بالعافية، ونزلنا أكلنا العيلة كلها، وقضيت باقي الليل بمسح الرمل من الصالة ونسرين ضهرها انكسر على الغسالة والتنشير، ونمنا الساعة 2 بالليل وزينا زي الميتين.

 

 

ثاني يوم الصبح، الساعة 6 بالضبط، لقيت إيد بتهزني بقسوة. فتحت عيني بالعافية لقيت “فريدة” واقفة فوق رأسي.

 

فريدة:

 

— “صحي مرات ابنك بسرعة تصحصح وتطلع تجهز الفطار للناس جوة.”

 

هدى (قعدت على حيلي ومصدومة):

 

— “فطار إيه الساعة 6 الصبح؟! وليه نسرين بالذات؟ فين حريم أخوكي؟ وفين بنتك وأختك؟”

 

فريدة (بلواية وش):

 

— “نايمين يا حبيبتي، تعبانين من الميه والأرض. صحي مرات ابنك تقلي بطاطس وطعمية وتعمل شاي للكل.”

 

هدى (الدم طفر في وشي وقمت وقفت قصادها):

 

— “ليه؟ هي مرات ابني خدامة ليكي ولا لأهلك؟! أنتِ جايبانا نصيف ولا جايبانا سخرة؟!”

 

فريدة (بابتسامة استفزازية):

 

— “اللي يقعد في شقتنا يمشي بقوانيننا يا هدى.. ولو مش عاجبك، الشارع واسع.”

 

ما ردتش عليها بكلمة ثانية. ايدي كانت بتترعش وأنا بمسك التليفون، وطلعت برة في البلكونة وطلبت رقم ابني “تامر”.

 

تامر (بصوت نعسان):

 

— “أيوة يا أمي.. صباح الخير، لحقتوا تتهنوا بالبحر؟”

 

هدى (بصوت مخنوق بالدموع):

 

— “يا تامر يا ابني، الوضع هنا مش مظبوط خالص، وعمتك فريدة وأهلها ماليين البيت ومش مريحينا من ساعة ما وصلنا.”

 

تامر (صوته اتغير وبقى جاد):

 

— “في إيه يا أمي؟ حد زعلكم ولا ضايقكم بكلمة؟”

 

هدى:

 

— “الموضوع مش مريح يا ابني، جايين فاكرينا فاضيين للشغل والمطبخ وجايبين عيلتهم كلها، ونفسيتي أنا ونسرين تعبت من طريقة الكلام.”

 

تامر (بقوة وشهامة):

#الكاتب_رومانى_مكرم

 

— “ولا تحرقي أعصابك ولا تزعلي نفسك دقيقة واحدة يا أمي! أنتِ ونسرين رايحين ترتاحوا وتتبسطوا مش تضايقوا. اسنحي فوراً من عندهم، أنا هحولك فلوس على الفودافون كاش دلوقتي حالا، خدي نسرين وأجروا أحسن شقة مفروشة على البحر مباشرة، واشتروا أكل جاهز نضيف من برة ولا تقفوا في مطبخ ولا تشيلوا هم حاجة، اتفسحوا وانزلوا الميه وانبسطوا على حسابي!”

 

فريدة كانت واقفة ورا باب البلكونة بتتنصت، وأول ما سمعت كلام تامر، وشها اصفر وأحمر ومبقتش عارفة تنطق!

 

رجعت من البلكونة وأنا ماسكة تلفوني وإيدي ثابتة لأول مرة من ساعة ما دخلنا العتبة دي. كانت “فريدة” واقفة ورا الباب، وشها رايح جاي بين الأصفر والأحمر، عينين مفتوحة على وسعها وزورها ناشف مش عارفة تطلع منه كلمة. بصيت لها من فوق لتحت بقلب جريح بس مرفوع الرأس، ودخلت الأوضة اللي كنا نايمين فيها أنا ونسرين.

 

نسرين كانت قاعدة على طرف السرير، لفة طرحتها بنص قومة، وعينيها منفوخة ومحمرة من قلة النوم وتعب امبارح. أول ما شافتني دخلت، وقفت بسرعة وقالت بصوت مكسور:

 

— “في إيه يا طنط؟ صوتك كان عالي.. هي طنط فريدة زعلت؟ أطلع أنا أعمل الفطار والله مش مهم.. التعب بيروح بس بلاش مشاكل عشان خاطري.”

 

مسكت إيدها بين إيديا الاثنين، ولقيت صوابعها الخشنة من كثرة المساحيق بتاعة امبارح وغسيل الرملة. قلبي وجعني عليها أكتر، وقيلت لها بنبرة حاسمة:

 

— “اقعدي يا نسرين.. لمي الشنط يا بنتي. احنا مش قاعدين هنا دقيقة واحدة كمان.”

 

نسرين بصلت لي بذهول:

 

— “نلم الشنط ونرجع القاهرة في الحر ده؟”

 

— “نرجع إيه! ابنك “تامر” راجل وبن راجل. قالنا نصيف وننزل البحر ونرتاح على حسابه، وأجر لنا شقة أحسن من دي مية مرة. لمي حاجتك ولا تخلي فريدة ولا أهلها يشوفوا ظفرنا.”

في الأثناء دي، الباب اتفتح بقوة وجمهرت فريدة ومعاها أختها “سحر” بقميص النوم، وأمهم وهي بتتسوك، وأخوها واقف وراهم بملابس البحر.

 

فريدة (وهي بتحاول تلم الموضوع بعد ما سمعت كلام تامر بس بصلافة):

 

— “جرى إيه يا هدى؟ هو أنتِ بتكبري الموضوع ليه؟ يعني عشان بتقولي لمرات ابنك ساعدينا في الفطار تروحي تشككي ابنك فينا وتعملي هيصة؟ هو احنا غرايب؟ ده بيت عيلتكم برضه!”

 

سحر (أخت فريدة بلواية بوز وغمزة لأختها):

 

— “سيبيهم يا فريدة، شكله الفلوس حرقاهم وعاوزين يصرفوا! فاكرين المصيف الفنادق.. بكره يروحوا يدوروا على شقق يلاقوا الأسعار ناطحة في السماء ويرجعوا يبوسوا إيدك عشان يقعدوا في المطبخ!”

 

هدى (وقفت قصادهم ورصيت الشنط بكل هدوء):

 

— “لا يا سحر، المصيف مش فنادق ولا حاجة، بس المصيف أصول ونظافة وإحساس. المصيف لما تعزمي حد بتستقبليه بلقمة نظيفة وبابتسامة، مش بتجيبيه يخدم على حماة أختك وعيال أخوكي ويغسل زفر البحر بتاعهم! الشقة دي أنتِ عزمتينا فيها يا فريدة، وجوزك لما يسافر الشقة مش بتتحول لورشة سخرة للناس. احنا مش خدامين عند حد، وتامر ابني ما يرضاش أمه ومراته يتهانوا.”

 

أم فريدة (دخلت بصوتها العالي):

 

— “جرى إيه يا حُرمة أنتِ؟ جاية تعملي علينا أستاذة في شقة بنتي؟ بتعلي صوتك في بيتنا؟ يلا من غير مطرود، الشارع يلمكم!”

 

نسرين كانت هتتكلم بكسوف، بس أنا مسكتها من دراعها وقلت لها: “ولا كلمة يا نسرين.. المعاملة مع اللي شبه دول خسارة.”

 

شيلنا شنطنا، وكانت فريدة متوقعة إننا هنترجاها أو نتردد، بس أنا مشيت وخطوتي جادة. أول ما فتحت باب الشقة ونزلنا على السلم، سمعت فريدة بتصعّق من فوق: “والله ما هتلاقوا شقة قريبة من البحر في بوابات العجمي بالسعر ده ولا بالخدمة دي، وهتردوا قفاكم يقمر عيش!”

رديت عليها وأنا بنزل السلم وراسي مرفوعة: “اللي معاه ربنا وراجل زي تامر، ما بياكلش عيش قمر من إيد حد!”

 

خرجنا للشارع الساعة 7 الصبح. الشمس كانت لسة بتشرق والأرض حرارتها بتبدأ تعلى، ونسمة البحر طالعة خفيفة. نسرين كانت بتنهد وبتبص لي بقلة حيلة:

 

— “هنروح فين دلوقتي يا طنط؟ الشوارع فاضية والدنيا زحمة في الصيف، والأسعار هنا نار في العجمي.”

 

— “تعالي بس يا نسرين.. تامر حول لي المبلغ على فودافون كاش، نروح لأقرب فرع أو كشك نفتح المحفظة ونسحب الفلوس، وبعدين ربنا الميسر.”

 

مشينا في الشارع الرئيسي لحد ما لقينا كشك كبير شغال. سحبت المبلغ اللي تامر بعته، وبصيت في المبلغ اتفاجئت! تامر كان بعت مبلغ محترم جداً يكفينا وزيادة لأسبوع كامل، وكاتب لي في رسالة: “يا أمي اتفسحوا، أجروا أحسن مكان، وكلوا من أحسن مطعم، ومتخليش نسرين تمسك معلقة ولا تمسح بلاطة واحدة. الفلوس دي عشان راحتكم.”

 

دموعي نزلت من الخشوع والحمد. ركبت أنا ونسرين تاكسي، وقلت للبلديات:

 

— “يا أسطى، ودسنا منطقة هادية ونظيفة على البحر مباشرة تكون شققها مفروشة سوبر لوكس.”

 

الريس التاكسي، راجل كبير وشكله ابن أصول، بصلنا في المراية وقال:

 

— “والله يا أختي العجمي والبيطاش زحمة وهيصة وعيال، لو عاوزين نظافة وروقان وبحر نضيف وشقق على العائلات، أوديكم البيطاش عند شارع شهر العسل أو نطلع على منطقة الهانوفيل في الشوارع المقفولة اللي على البحر، هناك فيه أبراج جديدة شققها فندقية.”

 

— “ودينا المكان النضيف يا أسطى، ربنا يبركلك.”

 

وصلنا عند برج حديث جداً يطل مباشرة على شاطئ “شهر العسل”. الشارع نضيف ومفيهوش الزيطة ولا الهيصة بتاعة شقة فريدة. نزلنا، ولقينا أمن وصاحب البرج، راجل محترم اسمه “الحاج جابر”.

طلبت منه شقة، فقالنا: “عندنا شقة في الدور السادس، أسانسير شغال 24 ساعة، تطل على البحر مباشرة، فيها تكييفات في كل الأوض ومطبخ أمريكاني متقفل ألوميتال وأجهزة حديثة كلها جديدة.”

 

طلعنا نشوف الشقة.. أول ما فتح الباب، الهواء البارد بتاع التكييف ضرب في وشنا، والشباك الكبير بتاع الصالة مفتوح على البحر، المية الزرقاء والموج بينور تحت شمس الصباح. الصالة فيها أنتريه مريح وأرضيات سيراميك بتلمع زي المراية، والحمام نضيف زي الفل بريحة المعطرات، والمطبخ فيه ثلاجة حديثة وبوتاجاز مسطح ومايكروويف.

 

نسرين بصت للشقة وعينيها وسعت من الفرحة:

 

— “يا الله يا طنط! دي أجمل بكتير من شقة طنط فريدة الزحمة المليانة رملة وبقسومات!”

 

صاحب الشقة قالنا: “الإيجار هينزل لكم عشان عائلة ومفيش شباب، واليوم بسعر معقول.” دفعت له إيجار 5 أيام مقدم، وأخذنا المفاتيح.

 

أول حاجة عملناها، دخلنا أخدنا دش مية باردة نزلنا بيه تعب السفر وتعب وقفة المطبخ بتاعة امبارح. طلعت نسرين وهي بتضحك ولابسة دريس صيفي خفيف، ولأول مرة من يومين أسمع ضحكتها من قلبها.

 

— “يلا يا نسرين.. مفيش طبيخ ولا تقشير بطاطس النهاردة! ننزل على الشارع نجيب فطار الملوك.”

 

نزلنا الشارع، دخلنا محل فول وطعمية ونظافة وفرن آلي، جبنا علب علب: فول بالزيت الحار، طعمية محشية كيري، فطير مشلتت سخن طالع من الفرن، وعسل ونحل وقشطة، وعصير قصب من المحل اللي جنبه.

 

طلعنا الشقة، قعدنا في البلكونة اللي على البحر، المفرش مفروش، الهواء بيرد الروح، وبدأنا ناكل بفتح شهية وتلذذ. نسرين كانت بتاكل وتقول:

 

— “تسلم إيدك يا تامر، والله ربنا يخلك لينا وما يحرمنا منك ابداً.”

 

بعد الفطار، اتصلت بتامر وقالت له:

— “تامر يا حبيبي.. احنا أجرنا شقة زي القصر على البحر، وتكييف ونظافة. تعبت نفسك يا ابني بس ربنا يجعله في ميزان حسناتك.”

 

تامر بصوت فرحان:

 

— “بالهنا والشفا يا أمي. اطلعي البلكونة واستمتعي، وانزلي البحر، ولا تشيلي هم حاجة. ولو احتجتِ أي جنيه تاني كلميني فوراً. وعمتي فريدة دي، أنا هعرف أحاسب جوزها لما يرجع من السفر على الأسلوب اللي عاملتكم بيه ده.”

 

سيبنا التليفون، واستريحنا ساعتين على السرائر النظيفة، التكييف شغال والملايات ريحتها داوني ونظافة. على الساعة 4 العصر، لبسنا نسرين وأنا وجبنا كراسي وشمسية، ونزلنا على الشاطئ الخاص بالبرج.

 

المية كانت صافية والهواء منعش. قعدنا على البحر، طلبنا درة مشوي وآيس كريم، ونزلنا بل بلنا رجلينا في المية ونزلنا نلعب زي الأطفال. نسرين كانت بتضحك وتتصور وتغير جو بجد، وأنا حسيت إن ضغطي اللي كان مرفوع من القهرة ونكد فريدة بدأ ينزل ويروق.

 

ونحنا قاعدين على الكراسي بنشرب شاي بالنعناع في غروب الشمس، تلفوني رن. بصيت في الشاشة لقيته رقم “فريدة”!

 

بصيت لنسرين وقلت لها: “شوف المتصل.. فريدة بتمسي.”

 

رديت عليها وفتحت المايك السبيكر عشان نسرين تسمع.

 

هدى (ببرود وهدوء):

 

— “أيوة يا فريدة.. خير؟”

 

صوت فريدة كان فيه هيصة ودوشة عيال بتصرخ في الخلفية، وصوتها هي طالع مبحوح ومضغوط:

 

— “أيوة يا هدى.. أنتِ فين يا أختي؟ أنتِ مشيتِ بجد ولا إيه؟ افتكرتك نازلة تجبي حاجة وجاية!”

 

هدى (بضحكة خفيفة):

 

— “أروح أفسح نسرين وأجيب حاجة؟ لا يا فريدة، احنا أجرنا شقة سوبر لوكس على البحر مباشرة، فيها تكييفات ومطبخ أمريكاني ونظافة، وقاعدين في البلكونة بنشرب شاي بالنعناع وبنتفرج على الغروب.”

 

فريدة (بصوت اتغير وحسد باين):

— “أجرتوا شقة؟! ومنين يا حسرة؟ هو تامر لحق يبعت لكم فلوس؟ وكمان على البحر؟!”

 

هدى:

 

— “الحمد لله.. تامر ابني راجل، ما يرضاش أمه ومراته يتهانوا ولا يشتغلوا خدامين عند حد. بعت لنا المبلغ اللي يكفينا وزيادة، وقالي اتفسحوا وكلوا جاهز ومتقفوش في مطبخ.”

 

فريدة (سكتت ثانية وبعدين قالت بنبرة ارتباك وتراجع):

 

— “طب.. طب ما تيجوا يا هدى تقعدوا معانا طيب؟ أصل البوتجاز عندي اتسد ومش عارفين نطبخ، وعيال أختي كسروا الخلاط، وأمي تعبانة ومش قادرة تقف تعمل أكل، وأختي سحر ما بتعرفش تولع عين البوتجاز.. تعالوا الشقة واسعة ونتلم مع بعض ونشارك الشقة!”

 

بصيت لنسرين، لقينا بنضحك بصوت واطي على الاستغلال اللي في دمها.

 

هدى (برزانة وقوة):

 

— “لا يا فريدة، اللي يقعد في شقتك يمشي بقوانينك.. وأنا ونسرين قوانيننا الراحة والاستجمام، مش الخدمة في الشقق المفتوحة. خلي أختك وحماتها وعيال أخوكي ينفعوكي ويعملوا الأكل ويكنسوا الرملة. احنا طالعين نجيب أكل جاهز من مطعم الأسماك دلوقتي ونازلين البحر تاني.”

 

فريدة (بغل مكتوم):

 

— “أها.. بقى كده يا هدى؟ تبيعيني عشان شوية الفلوس اللي ابنك بعتهم؟ ولسه ليا كلام تاني مع أخوكي لما نرجع القاهرة!”

 

هدى:

 

— “أعلى ما في خيلك اركبيه يا فريدة.. وسلام عشان الأكل السخن وصل.”

 

قفلت الخط في وشها، وحسيت بنصر وفرحة مش طبيعية. نسرين مسكت إيدي وقالت لي:

 

— “الله يخليكي لينا يا طنط.. والله أنتِ جيبتي لي حقي وحقك بحكمة وأدب.”

 

قضينا باقي اليوم في الشارع، دخلنا مطعم أسماك معروف، طلبنا جمبري ومشوي وسمك دنار وشوربة سي فود، أكلنا لما شبعنا، وقضينا السهرة بنتمشى على الكورنيش ونشتروا تسالي وهدايا لتامر والبيت.

عدت الأيام، يوم ورا يوم.. كل يوم ننام ونصحى براحتنا، ننزل البحر، ناكل أكل نضيف جاهز من الشارع، نتفرج على الأفلام في الشقة بالتكييف، وفريدة أهلها مقضينها خناقات وتعب ونكد في شقتها بسبب الأكل والغسيل، وكل شوية يوصلني أخبار من قرايبنا إن فريدة بتعيط ومتدبسة في خدمة عيلتها ومفيش حد بيساعدها، والتكيف عندها عطل والأكل باخ!

في اليوم الخامس، وقبل ما نسافر القاهرة بليلة، قررنا ننزل نشتري شويه حاجات للبيت وسوڤينيرات. ونحنا ماشيين في شارع السوق في العجمي، اتفاجئنا بشخص واقف قصادنا ووشه متبهدل ومفهاش حيل.. كانت “فريدة”!

 

كانت شايلة شنط خضار ثقيلة، وشعرها طالع من الطرحة، ووشها عرقان ومطفي، وماشية بتزق في العيال. أول ما شفتنا، وقفت مكانها وبصت على لبسنا النظيف والمكياج الخفيف وشكلنا المرتاح المبسوط…

 

حكايات رومانى مكرم

 

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

وقفت فريدة مكانها في نص السوق، الشنط البلاستيك المليانة طماطم وبطاطس كانت نازلة تقطع صوابعها، ووشها شايل هموم الدنيا. بصت لنا من فوق لتحت وهي مش مصدقة الشياكة والراحة اللي كنا فيها؛ أنا كنت لابسة عباية استقبال خفيفة ونظيفة، ونسرين لابسة دريس صيفي ألوانه تفتح النفس، وشنا رايق ومفيهوش نقطة عرق واحدة، وشايلين في إيدينا أكياس فيها تسالي وأسماك جافة وهدايا جايبينها للبيت في القاهرة.

 

 

فريدة سابت الشنط من إيدها على الأرض بتعب، ومسحت جبهتها بظهر إيدها وهي بتتنفس بصعوبة:

 

— “إيه ده؟ هدى؟ نسرين؟! انتوا لسه هنا في العجمي؟!”

 

هدى (ابتسمت بهدوء ورزانه وقربت منها خطوة):

 

— “أه يا فريدة، الحمد لله.. أسبوعنا خلص النهاردة ومروحين بكرة الصبح إن شاء الله. أنتِ مالك يا أختي طالعة عينك كده ليه؟ والشنط دي كلها شايلها لوحدك فين بقية الحريم والشباب؟”

 

فريدة بصت للشنط بصلافة وبقت عاوزة تعيط من كثرة القهرة والغل اللي جواها، وقالت بصوت مكسور ومحششر:

 

— “حريم مين وشباب مين يا هدى! سحر أختي خدت عيالها ونزلت البحر من الساعة 10 الصبح وسابوا لي البيت يكركب، وأمي قاعدة جوة ضهرها وجعها وبتقولي اعمليلي شوربة خضار، وأخويا قاعد في الصالة مأنتخ ومستني الأكل ينزل على الجاهز! بقالي ثلاث أيام ما شفتش المية ولا شفت البحر بسببتهم.. المطبخ مبيفضاش من المواعين، والهدوم المبلولة ريحتها طلعت والغسالة عطلت من كثرة المجهود!”

 

نسرين بصت لي وسكتت، بس عينيا كانت بتقول لها: “أهو ده العدل بتاع ربنا.. اللي حب يستغلنا اتدبس هو في الخدمة.”

 

هدى (رديت عليها بثبات وبدون الشماتة بس بدرس قاسي):

 

— “طب وليه يا فريدة؟ ما كنتِ خليتيهم يدخلوا المطبخ يطبخوا لنفسهم ويغسلوا كومات الهدوم بتاعتهم.. ولا هما جايين يرفعوا عن نفسهم وأنتِ اللي شغالة عندهم؟ مش أنتِ اللي قولتي لي امبارح اللي يقعد في الشقة يمشي بقوانينها؟ أهي دي قوانين شقتك بقى!”

فريدة وشها أحمر من الخجل، وأخدت نفس طويل وقالت بتوسل غير مباشر:

 

— “أنا ظهري اتكسر يا هدى.. والله اتكسر. الشقة بقت عاملة زي المولد، رملة في كل حتة ونكد وخناقات على الأكل. أختي سحر زعلت مني عشان قولت لها خدي العيال واغسلي لهم، وقالت لي أنتِ عزمانا ولا ذالانا؟ وطلعت هي وعيالها ودبت الخناقة في الشقة. أنا كنت فاكراكي لما تمشي هتعرفي قيمتي، طلعت أنا اللي دبست نفسي تدبيسة سوداء!”

 

هدى:

 

— “أنا أعرف قيمة نفسي وقيمة مرات ابني يا فريدة. تامر ابني رباهم على العز والشهامة، ولما اتصلت بيه ما ترددش لحظة إنه يحفظ كرامتنا. أنتِ اللي فاكرة إن الناس لما تجيلك تبقى خدامين عندك، وعزمتي العيلة كلها على حساب صحتك عشان تباني الكريمة، وفي الآخر بقيتي أنتِ اللي بتدفعي التمن.”

 

فريدة قربت مني وقالت بصوت واطي وهادي:

 

— “طب يا هدى.. ما تيجوا تقضوا معايا ليلة النهاردة؟ نسرين شاطرة في الترتيب والمطبخ، تلم معايا الشقة دي شوية ونعمل أكلة سمك مع بعض ونقعد ندردش بدل ما أنتِ دافعة إيجار على الفاضي.”

 

هنا نسرين مقدرتش تمسك نفسها، وابتسمت بتعجب من استغلال فريدة اللي مابينتهيش حتى وهي في قمة ضعفها!

 

نسرين (ردت بذكاء وأدب يقطع القول):

 

— “معلش يا طنط فريدة، الشقة عندنا متأجرة ومفروشة وجاهزة، والتكييفات شغال فيها من الصبح، واحنا خلاص جهزنا شنطنا وبكرة الصبح التاكسي هييجي ياخدنا على المحطة على طول. ربنا يقويكي ويعينك على أهلك وعزمتك.”

 

فريدة بصت لنسرين بصدمة، مكنتش متوقعة إن نسرين الطيب الهادية اللي كانت بتسكت على إهانتها امبارح تتكلم بقوة وثقة كده.

 

هدى:

 

— “يلا يا فريدة سلام، عشان التاكسي مستنينا تحت يرجعنا الشقة النظيفة يرتاح جسمنا قبل السفر.”

سبناها واقفة في نص الشارع شايلة شنط الخضار الثقيلة، بتنهد وبتبص لنا حسرة وندم. ركبنا التاكسي، ونسرين مسكت إيدي وقالت لي:

 

— “تعرفي يا طنط.. أنا اتعلمت منك درس عمري النهاردة. اتعلمت إن الطيب مش لازم يكون هبيط ولا يسيب حقه، وإن الكرامة أهم من أي مصيف وأي خروجة.”

 

— “صح يا بنتي.. تامر راجل ونعم الرجال، بس لو كنا سكتنا وبلعنا الإهانة في أول يوم، كانوا هيعودونا نكون خدامين طول العمر. العز مش بالفلوس، العز بأنك تعرفي قيمة نفسك وتوقفي أي حد عند حده.”

 

رجعنا شقتنا النظيفة الهادية اللي بتطل على البحر مباشرة. فتحنا التكييف، دخلنا استحمينا بمية دافية ونظيفة، وقعدنا في البلكونة ناكل آيس كريم وشيكولاتة، وبنتفرج على غروب الشمس لآخر مرة في العجمي.

 

الليل جه، وطلبنا عشاء فاخر من مطعم مشويات قبال البرج. قعدنا أكلنا بضحك وفرفشة، واتصلنا بتامر فيديو كول.

 

تامر أول ما فتح الكاميرا وشافنا قاعدين مبسوطين وفي مكان فخم ونظيف، وشها نور وابتسم من قلبه:

 

— “إيه الحلاوة دي يا أمي! إيه الروقان ده يا نسرين! يارب تكون المانجة والبحر عجبوكم؟”

 

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى